د. زينب عبد الزهرة هادي
استدعاء الشخصيات التراثية في توجيه الدلالة يعد من أبرز التقنيات الأسلوبية والفكرية التي اعتمدها الأدب العربي قديمه وحديثه، لما تحمله هذه الشخصيات من حمولة رمزية وثقافية وتاريخية قادرة على إثراء النص وإضفاء أبعاد دلالية عميقة عليه. فالتراث ليس مجرد ماضٍ منقضٍ، بل هو خزان رمزي حيّ، يستمد منه المبدع أدواته في التعبير والتأويل وإعادة إنتاج المعنى بما يتلاءم مع قضايا العصر وأسئلته الفكرية والإنسانية.
وتكمن أهمية استدعاء الشخصيات التراثية في كونها تشكل جسراً بين الماضي والحاضر، حيث يعمد الكاتب أو الشاعر إلى توظيف شخصية تاريخية أو دينية أو أسطورية معروفة في الوعي الجمعي، ليحمّلها دلالات جديدة تتجاوز سياقها الزمني الأصلي. وبهذا يتحول الاستدعاء من مجرد إشارة تاريخية إلى أداة فاعلة في توجيه الدلالة وبناء الرؤية الفكرية للنص.
إن استدعاء الشخصيات التراثية يسهم في تكثيف المعنى، إذ تختزل الشخصية المستدعاة تجربة تاريخية أو أخلاقية أو فكرية واسعة في رمز واحد، مما يتيح للنص أن يقول الكثير بأقل عدد من الكلمات. فحين يستدعي الشاعر شخصية مثل المتنبي أو الحلاج أو صلاح الدين، فإنه لا يستحضر شخصاً بعينه فحسب، بل يستدعي منظومة كاملة من القيم والصراعات والدلالات المرتبطة بهذه الشخصية.
كما يؤدي هذا الاستدعاء دوراً جمالياً مهماً، إذ يضفي على النص بعداً فنياً نابعاً من التفاعل بين الماضي والحاضر، ويمنح القارئ متعة الاكتشاف والتأويل. فالقارئ لا يكتفي بتلقي المعنى المباشر، بل ينخرط في عملية تفسير تربط بين معرفته بالشخصية التراثية والسياق الجديد الذي وضعت فيه داخل النص.
ومن الناحية الدلالية، يمكن أن يكون استدعاء الشخصيات التراثية ذا بعد إيجابي أو نقدي. ففي بعض النصوص، تُستدعى الشخصية بوصفها نموذجاً مثالياً يُحتذى به، يعكس قيماً مثل الشجاعة أو الحكمة أو التضحية. وفي نصوص أخرى، قد يُعاد توظيف الشخصية التراثية بصورة مغايرة أو ساخرة، للكشف عن تناقضات الواقع أو لفضح زيف بعض القيم السائدة.
ويظهر هذا التوظيف بوضوح في الشعر العربي الحديث، حيث لجأ العديد من الشعراء إلى استدعاء شخصيات تراثية لإعادة قراءة التاريخ من منظور معاصر. فالشخصية التراثية تتحول إلى قناع فني يتخفى خلفه الشاعر ليعبر عن همومه الذاتية والجماعية، أو ليطرح أسئلة تتعلق بالهوية والحرية والسلطة.
ولا يقتصر استدعاء الشخصيات التراثية على الشعر، بل يمتد إلى الرواية والمسرح والخطاب النقدي، حيث تتخذ هذه الشخصيات أدواراً متعددة في توجيه الدلالة. ففي الرواية، قد تظهر الشخصية التراثية بوصفها عنصراً بنائياً في السرد، أو مرجعاً ثقافياً يضيء مسار الأحداث. أما في المسرح، فقد تتحول إلى رمز درامي يعكس صراعاً فكرياً أو اجتماعياً معاصراً.
ومن الجدير بالذكر أن نجاح استدعاء الشخصيات التراثية في توجيه الدلالة يتوقف على وعي الكاتب بحدود التوظيف وعمقه. فالتوظيف السطحي أو التقريري قد يفقد الشخصية قيمتها الرمزية، بينما يتيح التوظيف الإبداعي إعادة إنتاجها بوصفها عنصراً حياً وفاعلاً في النص.
كما أن استدعاء الشخصيات التراثية يسهم في تعزيز البعد التداولي للنص، إذ يفترض معرفة مشتركة بين الكاتب والقارئ. فكلما كان القارئ أكثر إلماماً بالتراث، كان أكثر قدرة على تفكيك الدلالات الكامنة في النص وفهم الإشارات الرمزية التي يعتمدها الكاتب.
وفي السياق الثقافي العام، يعكس استدعاء الشخصيات التراثية موقف الكاتب من التراث ذاته؛ فقد يكون موقفاً تمجيدياً يسعى إلى إحياء القيم الأصيلة، أو موقفاً نقدياً يهدف إلى مساءلة الماضي وإعادة النظر في مسلّماته. وفي الحالتين، يبقى التراث مادة حيوية لإنتاج المعنى وتوجيه الدلالة.
وخلاصة القول إن استدعاء الشخصيات التراثية في توجيه الدلالة يمثل استراتيجية فنية وفكرية بالغة الأهمية، تتيح للنص الأدبي أن ينفتح على أبعاد زمنية وثقافية متعددة. ومن خلال هذا الاستدعاء، يتحول التراث من كونه ماضياً ساكناً إلى طاقة دلالية متجددة، تسهم في إثراء الخطاب الأدبي وتعميق رؤيته للإنسان والعالم.