تزرين يعقوب سولا
في هذا الزمن ، إن أردت أن تكون مؤثرًا ، لا تحتاج إلى كتاب ، ولا فكرة، ولا حتى رأي واضح . يكفيك هاتف ، صوت عالٍ، وقدرة على الجدال في كل شيء… وستصبح “محللًا استراتيجيًا” خلال أسبوع.
وسط هذا الضجيج، اختفى المثقف. لا لأنه مات، بل لأنه لم يعد يُسمَع. فصوته هادئ، والهدوء لا ينافس الصراخ ، بينما الجمهور يريد فكرة تُقرأ في ثلاث ثوانٍ قبل تمرير الشاشة.
في زمنٍ يعلو فيه الصوت على الفكرة، ويُقاس التأثير بعدد المتابعين لا بعمق الطرح، يبدو المثقف وكأنه انسحب بهدوء من المشهد العام، أو أُبعد قسرًا إلى الهامش. لم يختفِ المثقف تمامًا، لكنه لم يعد يُرى، ولم تعد كلمته تُصنع الحدث كما كانت في مراحل مفصلية من التاريخ .
لم يعد الضجيج اليوم حكرًا على السياسة، بل تمدّد إلى الثقافة والإعلام ووسائل التواصل، حيث تحوّل الرأي إلى “منشور”، والتحليل إلى “تعليق”، والمعرفة إلى اقتباس مبتور. في هذا المناخ، يجد المثقف نفسه محاصرًا :
إن تكلّم بعمق اتُّهم بالتعقيد، وإن اختصر فكرته خسر معناها، وإن صمت بدا كأنه تخلّى عن دوره.
في المقاهي ، الجميع محللون. سائق التاكسي يشرح لك شكل الحكومة القادمة، وصاحب المقهى يعرف سبب فشلها، والزبون يؤكد أن الحل موجود لكنه “ماكو نية”.
أما المثقف الجالس في الزاوية، فيبدو غريبًا لأنه لا يتكلم كثيرًا، ولا يصرخ، ولا يشتم.
المثقف هنا في ورطة مزدوجة:
إن كتب ما يؤمن به، خسر التفاعل.
وإن كتب ما يعجب الناس، خسر نفسه.
وهنا صار الاختلاف تهمة خفيفة، لكنها مؤلمة. لا أحد يمنعك من الكلام، لكن الجميع يعاقبك بالتجاهل. وهذا نوع ذكي من الرقابة؛ لا سجن فيه ولا منع، فقط صمت جماعي.
وهكذا، صار الضجيج مقياس النجاح، لا الفكرة. وصار المثقف مطالبًا أن يكتب ما يُصفَّق له، لا ما يُفكَّر فيه. ومن يرفض، يُقال عنه ببساطة: “ما يعرف يساير”.
ربما لهذا لم يختفِ المثقف…
هو فقط قرر ألا يصفّق لنفسه.