د. ضياء عبد الخالق المندلاوي
تعد ظاهرة التهجير والتسفير القسري، من اسوء وابشع الظواهر الانسانية، عندما تقوم بسلب المواطن من اهم حقوقه وهو المواطنة، وهذا الامر ما تعرض له مكون اساسي من مكونات الشعب العراقي وهم الكورد الفيليين، لابشع جريمة في تاريخ العصر والانسانية، وما نتج عنها من اثار نفسية واجتماعية اثناء التسفير والتهجير القسري، وهذا الامر ما اكدته الامم المتحدة عند تناولها للمفهوم العالمي للهجرة القسرية التي عدتها بانها حركة يتوفر فيها عنصر الضغط والاجبار لما في ذلك الخوف من الاضطهاد والخطر على الحياة والرزق سواء بفعل البشر او بفعل الطبيعة، وانها تعد شكل من اشكال الانتقال الجغرافي للسكان، تحدث في مناطق مختلفة ولاسباب متنوعة، اقتصادية، أو سياسية، أو دينية قاهرة، يترتب جرائها تغير محل الإقامة بصورة مؤقته أو دائمية، وقد تتم بصورة مباغتة بدفعة واحدة أو على شكل دفعات.
وماتعرض له الكورد الفيليين في العراق كان بشكل مباغت وعلى شكل دفعات منظمة وكان ابشعها واكثر قساوة في عام 1980، حيث غيب شباب الكورد الفيلين بأساليب وحشية، وهجر قسرياً أكثر من 600,000 مواطن كوردي فيلي بذريعة أنهم من “أصول أجنبية” وأسقطت جنسيتهم وتم تجريدهم من وثائقهم وسلب ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة وحجز وتغييب أكثر من 22,000 من شبيبتهم ورجالهم ونسائهم.
فضلاً عن احتجاز الألاف الشباب في سجون السرية في جهاز المخابرات العراقية وتصفيتهم جسدياً بعد قضاء سنين من السجن بالقرار الجائر المرقم ٢٨٨٤ لسنة ١٩٨٠ الخاص بالمهجرين العراقيين، كذاك ابادة اكثر من ٥٠٠٠ شاب كوردي فيلي عبر التجارب الكيمياوية والغازات السامة واحواض التيزاب بالاضافة الى عشرات القرارات الجائرة والمجرمة التي وصلت الى حد تطليق الزوجات الكورديات الفيليات بالاكراه وفق القرار ١٥٠ الصادر في ٢٨/ ١/ ١٩٨٠، وغيرها من القوانين الجائرة المتعلق بفرض سياسية التعريب للكورد الفيليين الذين لم يتم تسفيرهم.
فحين نتكلم عن الكورد الفيلين نشعر بالمرارة ونتحدث بأسى شديد، لان الانسان يستطيع العيش تحت ظل القهر والظلم والتهميش، لكنه لايستطيع ان يعيش بلا وطن، هكذا عاش الكورد الفيليون في وطنهم العراق، حيث كانوا يعدون ايرانيين وعجم داخل العراق، وفي ايران يعدون كورد وعراقيين.
لذا قضية تهجير الكورد الفيليين احدى الملفات المهمة التي تحتاج الى معالجات جادة التي اعتبرتها الحكومة العراقية في عام 2012 بانها جريمة ابادة جماعية (جينوسايد) لكن مازال ابناء هذا المكون لم ياخذون حقهم الطبيعي في الحياة الكريمة وازالة الاثار السيئة للهجرة والتهجير القسري، لاسيما ما يتعلق بالبعد الاجتماعي والنفسي للكورد الفيليين حيث هناك أعباء اجتماعية ونفسية كبيرة فرضتها الظروف السياسية انذاك وكيفية اندماجهم وتعاطيهم مع ظروفهم في المهجر والتحول من اصحاب املاك وتاريخ وارض الى مهجرين ويسكنون مخيمات يعانون من ضغوطات حياتية صعبة ومن ابسط مقومات العيش الرغيد.
ومن هذا المنطلق وشعوري بمعانات الكورد الفيليين وبوصفي متخصص في العلوم التربوية والنفسية واحد افراد هذا المكون الاساسي والاصيل من مكونات الشعب العراقي، قمت باعداد استبانة، تكونت من (30) فقرة ويقابل كل فـقرة خمس بدائل وفق مقياس ليكرت الخماسي مقسـمة بالتساوي على جزئين الأول تضمـن الابعاد النفسية لتهجير وتسفير الكورد الفيليين، امـا الثانـي تضمـن الابعاد الاجتماعية لتهجير وتسفير الكورد الفيليين، وتـم التحقق مـن صدق الاستبان وثباتها.
تم طبق الاستبانة على عينة تكونت من (400) فرد من (الكورد الفيليين) موزعين بالتساوي حسب متغير الجنس (ذكور، اناث) وبعـد تطـبيق الاستبانة وتحـليل النتـائج احصـائياً، كشفت النتـائج بأن الكورد الفيليين في العراق يعانون من ابعاد نفسية واجتماعية كبيرة لتهجيرهم وتسفيرهم ابان النظام المقبور، مع وجود دلالات احصائية فـي متغيـر الجنس في البعد الاجتماعي، ولصالح الاناث، كونهم اكثر عاطفيا من الذكور.
وبناءا على ما تقدم يتبين لنا ان تداعيات اثار الهجرة القسرية انصب بشكل ملحوظ على الافراد الكورد الفيليين بدلالة انهم مايزالون يعانون من مشكلات اجتماعية ونفسية عميقة، ولم تتحمل السلطات العراقية تدابير شاملة لدعم الكورد الفيليين ومحاولة اعادة دمجهم مع المجتمع، حيث للتهجير القسري للكورد الفيليين تداعيات كبيرة على الأسرة وما ترتب عليه من أثار نفسية خاصة لدى فقدان الوالدين أو أحدهما أواحد افراد العائلة اوالتعرض للتعنيف أوالاعتقال أو الملاحقة او أعباء سياسية وأمنية، فضلا عن ان عدم حصول الكورد الفيليين على حقوقهم وومتلكاتهم والجانب المعنوي لازالة تلك الاثار جعلهم يعانون من تلك الاثار الى يومنا هذا.
ولمعالجة تلك المشكلات الاجتماعية والنفسية، نرى من الضروري عقد ندوات وورش لتعريف المجتمع بمظلومية الكورد الفيليين، وتفعيل القوانين الخاصة بحقوق الكورد الفيليين، وتشكيل لجنة من رئاسة الوزراء لمتابعة هذه الملف المهم، واستثـمار وسائل الإعلام المرئية والمسموعة فـي الترويج ونقل معانات الكورد الفيليين الى ابناء الشعب العراقي والشعوب الاخرى، وعرض برامج تلفزيونية خاصة بهم باللغة العربية والكوردية، فضلا عن ادراج موضوعات تخص الكورد الفيليين في المناهج الدراسية للمراحل الدراسية المختلفة، وإقامة متحف خاص يعنى بما تعرض له الكُورد الفيليين من عذابات ويجمع ما هو ضروري ليحدث العالم بما جرى لهم خلال العقود الخمسة المنصرمة، سواء أكانوا في سجون العراق أم في المهجر, إضافة إلى إبراز الوجه المشرق الدائم للكورد الفيليين في بناء العراق طيلة عقود الدولة العراقية الحديثة.