د. شاذلي عبد الغني إسماعيل
في وادي نخلة بالقرب من مكة المكرمة وُلِدَ البهاء زهير (581 – 656 هـ)، وجاء مع أبويه إلى مصر، وعاش في مدينة قوص التي كانت أعظم مدن صعيد مصر، وأكثرها ازدهارًا بالحركة العلمية والأدبية، وقد عاش البهاء زهير في تلك البيئة الخصبة ينهَل فيها من ينابيع المعرفة، وتنمو في ظلالها ملكاته الأدبية، فلما نضِجت مواهبه، وبرزت قدراته العلمية والأدبية، وجَّه رحاله إلى القاهرة، وهناك توطدت علاقته بالملك الصالح بن الملك الكامل، الذي قرَّبه منه، وولَّاه ديوان الإنشاء حين تولَّى مُلْكَ مصرَ، ويروي بعض المؤرخين أن الملك الصالح غضب على البهاء زهير، وأبعده قبل موته، فاتصل بالملك الناصر بالشام، وظل ينظم فيه المدائح، ثم عاد إلى القاهرة، وقد عانى البهاء زهير من مرارة الفقر في كِبَرِهِ حتى اضطر إلى بيع كتبه.
عن شعر البهاء زهير:
اتسم أكثر شعر البهاء زهير برقة الألفاظ، وأناقة التصوير، وسلاسة التعبير، وقد وصفه ابن خلكان بقوله: “وشعره كله لطيف، وهو كما يُقال: السهل الممتنع”، فالقارئ لشعره قد يتخيل لسهولته ورقته أنه يمكن لمن شاء من الشعراء أن ينسُجَ على منواله، وأن يسلُكَ دَرْبَه، ويصل فيه إلى مبتغاه دون عناء، إلا أن الحقيقة أن شعر البهاء زهير هو نتاج عبقرية خاصة بصاحبها، وقد توجَّت هذه العبقرية بسمات شخصية ألْقَتْ بظلالها على طريقته الشعرية، وظهر أثرها بارزًا في ألفاظه وأساليبه وصوره؛ فقد كان البهاء زهير عَذْبَ الأخلاق، رقيق الطبع، التقاه ابن خلكان؛ فوصفه قائلًا: “ورأيته فوق ما سمعت عنه من مكارم الأخلاق، وكثرة الرياضة، ودماثة السجايا”، ويصف نفسه قائلًا:
فلكم فيَّ مِن مكارم خُلُقِ ولكم فيَّ مِن حميد صفاتِ
ومع الصمت والوقار فإني دمثُ الخُلُق طيب الخلواتِ
فهذه هي طبيعته ينهَل منها ويعبِّر عنها، فيأتينا بقصائدَ تفيض عذوبة ورقة، تجسد عذوبة أخلاقه ورقتها، كما أنه عاش في بيئة تمتعت بجمال الطبيعة، فقد نشأ في مصر بين نيلها ومروجها وحدائقها الغنَّاء، وبين شعب يميل إلى الفرح والمرح – على حد تعبير ابن خلدون – وقد أبدع الشاعر سعد الدين محمد بن عربي في وصف الرقة التي وصل شعر البهاء زهير إلى غايتها؛ حين قال:
لشعر زهير في النفوس مكانة فقد حاز من ألبابها أوفر الحظِّ
لقد رقَّ حتى قُلْتُ فيه لعله حاول إبراز المعاني بلا لفظِ
ومن أهم ما يميز شعر البهاء زهير قدرته على التقاط التعبيرات التي يستخدمها المصريون في حياتهم اليومية، فهو يستخدمها شعريًّا بطريقة تدهش المتلقي، وتضفي على النص طرافة وحيوية، فهو – مثلًا – يقول:
فليت شعري متى تخلو وتنصت لي حتى أقول فقلبي منك ملآنُ
إياك يدري حديثًا بيننا أحد فهم يقولون: للحيطان آذانُ
من لي بنومٍ أشكو ذا السهاد له فهم يقولون: إن النوم سلطانُ
فالبهاء زهير يأتي في الكثير من قصائده بالعبارات السائرة بين المصريين؛ ليعيدها إليهم شعرًا، يلامس أفئدتهم، ويسعد أرواحهم، وهو بهذه الطريقة يمنح لشعره شيوعًا، وينشره بينهم، كما ينتشر على ضفاف نيلهم عبير النسائم في زمن الربيع.
قد كتب البهاء زهير في أغراض متنوعة إلا أن الغزل نال مساحة كبيرة من شعره، هو كما يصفه غزلٌ أرقُّ من الصبابة والصَّبا؛ وانظر إليه وهو يقول:
يا حبيبي وأنت أي حبيب لا قضى الله بيننا بشتاتِ
أنت روحي وقد تملكت روحي وحياتي وقد سلبت حياتي
الجزالة في شعره:
إن هذه الرِّقَّة التي تشعُّ من الألفاظ والتعبيرات لا نراها في غزل البهاء زهير فقط، بل نراها في أكثر أغراض شعره، إلا أنه يغاير نهجه في الرقة ويغادر أسلوبه العذب، ويستبدله به الجزالة في بعض نصوصه.
وقد اختلف النقاد في هذه الجزالة التي لم نتعودها من الشاعر؛ فالشيخ مصطفى عبدالرازق يرى أن جزالته كانت تحدِّيًا لخصومه الذين يرفضون مذهبه، ويعمِدون إلى تنقيصه؛ “لذلك كان يسلك في الشعر الرسمي – شعر المديح – المذهبَ القديم غالبًا، ويظهر عليه في كثير من الأحيان أنه يحاول غير ما في طبعه، حتى إذا هتفت بالشعر عواطفه، عاد إلى مذهبه السهل البسيط الخالي من التصنُّع، القريب من الفِطَر”.
لكن الدكتور زكي مبارك رفض أن يكون شعر البهاء زهير الذي اتسم بالجزالة شعرًا متكلفًا بعيدًا عن طبيعته، وأن الجزالة في شعره “قضى بها الطبع لا التطبُّع؛ لأنها من وحي المقام لا من وحي التكلف”، فالمقام الذي رأى فيه الشيخ مصطفى تكلفًا لا يسمح بالرقيق، “وعند مراجعة القصائد الموسومة بالجزالة ترى مقامات الكلام هي التي فرضت على الشاعر أن يختار الجزل، وهذا من دقائق الصناعة الشعرية، فلا مُوجِبَ لقوله: إنه يخرج عن الطبع؛ ليُساير القدماء”.
وإن كان البهاء زهير لم يخبرنا أنه يخرج عن طبعه في الشعر الموصوف بالجزالة، لكنه يعترف في إحدى قصائده أن من موضوعات الشعر ما يخرج به عن الطبع، ويدفعه إلى التكلف رغمًا عنه، فهو في قصائد الشكوى يكلف شعره مشقَّة غريبة عنه، كأنه يدعوه لِما لا يُؤلَف، وذلك على النقيض من شعره في الغزل الذي تَهِيم العقول بحسنه، ويملؤها الشغف، وهو يخبرنا أن شعره الذي يبتعد عن التكلف هو ذلك النوع الذي تجد فيه الروح راحةً، ويسلو به القلب، وينصرف من خلاله الهمُّ.
ومن هنا يمكننا أن نقول: إن مقامات الكلام التي تستدعي من البهاء زهير أن يخرج عن الرقة والعذوبة، وأن يغادر ذلك الحسَّ المرهف الذي عُرف به، إنما تخرج به عن طبعه المألوف وعن الصورة التي يحب أن يكون عليها شعره دائمًا؛ رغبة في رعاية المقام التي تستدعي الجَزْلَ من التعابير، والفَخْمَ من الألفاظ.