بيان الدكتور كمال كركوكي بمناسبة الذكرى التاسعة لملحمة پردي
في العشرين من تشرين الأول 2017، قالت كوردستان وقوات البيشمركة البطلة كلمتها في الميدان. ففي پردي، حمل رجال البيشمركة مسؤولية الدفاع عن أرض شعبهم وكيانه ومستقبله، في واحدة من أشد اللحظات خطورةً في تاريخه المعاصر. وهناك، رسمت شجاعتهم وتضحياتهم الحدَّ الذي تكسرت على صخرته محاولة خيانة السادس عشر من أكتوبر لإخضاع إقليم كوردستان وكسر إرادته. واليوم، نستحضر هذه الملحمة باعتزاز شعبٍ يعرف مَن صان كرامته ساعة الخطر، وبوفاءٍ لرجالٍ واجهوا الموت كي تبقى كوردستان شامخةً ورايتها مرفوعة.
لقد دفعت أحداث كركوك القوى المهاجمة إلى الاعتقاد بأن الطريق بات مفتوحاً لاستكمال مخططاتها والتقدم نحو هولير، عاصمة إقليم كوردستان. وتلاقت في ذلك الهجوم حسابات الميليشيات ومجاميع المرتزقة وأجندات القوى الإقليمية، مع تواطؤ الخونة الذين قايضوا مصير شعب كوردستان بمصالحهم الشخصية الضيقة. وحُشدت القوات والأسلحة الثقيلة ومعدات الجيش، بما فيها دبابات أبرامز، في رهانٍ على أن التفوق في العدد والعتاد سيحسم المواجهة ويفرض على شعب كوردستان واقعاً تُصادَر فيه إرادته وتُستباح مكتسباته.
وعلى أرض پردي، أسقطت البيشمركة تلك الحسابات. فقد ثبت مقاتلوها أمام الهجمات المتلاحقة، وخاضوا المواجهة بشجاعةٍ وانضباطٍ وإيمانٍ عميقٍ بعدالة ما يدافعون عنه. وأمام صلابتهم، عجزت القوة المهاجمة عن ترجمة تفوقها العسكري إلى تقدمٍ يفتح الطريق نحو عمق الإقليم. لقد حمى أولئك الرجال، بما بذلوه من دماءٍ وتضحيات، كياناً أقامه شعبنا عبر عقودٍ من النضال، وأثبتوا أن البيشمركة تمتلك من الكفاءة والعزيمة ما يجعلها القوة التي تحمي كوردستان حين تبلغ الأخطار مداها.
وفي ذلك الامتحان المصيري، تجلّت صلابة الأخ المناضل الرئيس مسعود البارزاني وحكمته في قيادة المواجهة والثبات على حقوق شعب كوردستان. فقد شكّل موقفه ركيزةً لإرادة الصمود في ظرفٍ تراكمت فيه الضغوط، وتكشّفت فيه خطورة التآمر. وإلى جانب رجال البيشمركة، تحمّل قادةٌ من الحزب الديمقراطي الكوردستاني مسؤولياتهم في مواقع الدفاع، مستعدين لبذل أرواحهم في سبيل حماية شعبهم. وهكذا تجسّد معنى القيادة التي تتقدم عند الخطر، وتربط شرف موقعها بالوفاء للأرض والقضية.
وقدّمت پردي، ثم سحيلة، انتصاراً ميدانياً أسقط محاولات تصوير أحداث كركوك بوصفها انهياراً للبيشمركة. ففي الجبهات وساحات المعارك الخطيرة، تماسكت صفوف البيشمركة، وظهرت قدرتها القتالية التي حاولت خيانة السادس عشر من أكتوبر حجبها والتشكيك فيها. وأثبتت المواجهة أن مسؤولية ما جرى في كركوك تقع على عاتق الذين تواطؤوا وخانوا مبادئ شعب كوردستان ومصالحه العليا، وتآمروا على مصيره ومستقبله، حين أخلوا بأهم المواقع العسكرية والاستراتيجية، سعياً إلى إحداث شرخٍ في دفاعات البيشمركة. غير أن ملحمة پردي أعادت الفصل بين شجاعة المقاتل الذي أدّى واجبه، ومسؤولية مَن فرّط بالأمانة وفتح الطريق أمام المعتدي.
ومن ذلك الصمود، استمدّ إقليم كوردستان قوةً لاستعادة توازنه ومواصلة مسيرته. فقد أعادت الملحمة الثقة إلى النفوس، وأحبطت محاولة جعل الانكسار السياسي قدراً دائماً لشعبنا. وهي تذكّرنا بأن تاريخ الشعوب يُكتب بقدرتها على النهوض وصون مبادئها واستعادة زمام المبادرة، وأن أي تراجع، مهما بلغت قسوته، لا يمنح أحداً فرصة إلغاء قضية عادلة أو تقرير نهاية نضالٍ حملته أجيالٌ متعاقبة.
وفي هذه الذكرى، نجدد التأكيد أن حقوق شعب كوردستان في كركوك وجميع المناطق الكوردستانية الواقعة خارج إدارة الإقليم تظل جزءاً أصيلاً من قضيتنا ومسؤوليتنا أمام شعبنا وتضحياته. فلا يُسقطها الخونة، ولا تبدّلها سياسات فرض الأمر الواقع. وسيبقى حق شعبنا في الحرية والكرامة وتقرير مصيره بإرادته الحرة غايةً ثابتةً في مسيرتنا، وأمانةً نحملها تجاه أبناء كوردستان أينما كانوا. إن حماية كيان الإقليم وصون منجزاته يعززان قدرتنا على الدفاع عن هذه الحقوق ومواصلة النضال من أجل استعادتها كاملةً.
وتفرض علينا دروس پردي مسؤوليةً دائمةً تتمثل في حماية قوة البيشمركة، وصيانة القرار الكوردستاني من الارتهان، وتقديم المصالح العليا لشعبنا على الحسابات الشخصية والحزبية الضيقة. فالوفاء لتلك التضحيات يُقاس بصلابة الموقف وحسن أداء المسؤولية، وبمنع تكرار الظروف التي أتاحت للغدر أن ينفذ إلى جبهاتنا. وسيظل الحزب الديمقراطي الكوردستاني، المستند إلى إرثٍ من النضال والتضحيات، ثابتاً على واجبه في الدفاع عن كوردستان وحماية مكتسباتها ورفض المساومة على حقوق شعبها.
ونستحضر في هذا اليوم زعيم الأمة الخالد مصطفى البارزاني، وما أرساه من نهجٍ جعل الدفاع عن كوردستان التزاماً لا يتزعزع أمام المحن، وربط شرف النضال بخدمة الشعب وصون كرامته. كما نستذكر بكل محبةٍ ووفاءٍ الأخ خالد الذكر إدريس البارزاني، وما تركه من إرثٍ في الإخلاص للقضية والمسؤولية القومية. وقد بقيت هذه القيم حاضرةً في وجدان البيشمركة، تتجدد في مواقفهم وتضحياتهم كلما تعرّضت كوردستان للخطر.
وإذ نحيّي أبطال پردي وسحيلة وجميع المقاتلين الذين أدّوا واجبهم بشرف، ننحني إجلالاً لأرواح شهداء هذه الملحمة، ولشهداء تداعيات خيانة السادس عشر من أكتوبر في كركوك وسائر المناطق الكوردستانية، ولجميع شهداء الكورد وكوردستان، وضحايا الأنفال والمقابر الجماعية. ونتوجه إلى عوائلهم الكريمة بأسمى معاني التقدير والوفاء؛ فتضحيات أبنائهم أمانةٌ في أعناقنا، وصون حقوقهم وكرامتهم واجبٌ لا يقبل التقصير.
ستبقى پردي شاهداً على مَن حمى كوردستان حين اشتدّ الخطر، وسيظل ضمير شعبنا يميّز بين مَن وفى بالعهد ومَن ساوم عليه. وعهدنا للشهداء ثابت: أن نصون الكيان الذي حموه بدمائهم، ونحفظ كرامة الشعب الذي ضحّوا من أجله، ونواصل النضال حتى ينال كامل حقوقه المشروعة. فكوردستان أمانةٌ لا تقبل التفريط، وإرادة شعبها لا يملك أحدٌ حق التنازل عنها.
المجد والخلود لشهداء كوردستان.
العزّ لقوات البيشمركة، والحرية والكرامة لشعبنا.
الدكتور كمال كركوكي
عضو المكتب السياسي
مسؤول علاقات الحزب الديمقراطي الكوردستاني
20 تشرين الأول 2026