من يصنع وعي الجيل الجديد؟ المدرسة أم الشاشة؟

استطلاع صحفي في معركة التأثير وصناعة الأفكار بين الأسرة والمؤسسة التعليمية والمنصات الرقمية

الدكتورة / نادية الجدوع
خبير استراتيجي

في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الرقمية، وتتراجع فيه الحدود التقليدية بين المعرفة والمعلومة، يبرز سؤالٌ جوهري يتجاوز حدود التربية والتعليم إلى عمق الأمن الفكري والاجتماعي: من يصنع وعي الجيل الجديد اليوم؛ المدرسة التي تؤسس المعرفة، أم الشاشة التي تقتحم تفاصيل الحياة اليومية وتعيد تشكيل الأفكار والسلوكيات؟

لم يعد هذا السؤال ترفاً فكرياً أو نقاشاً تربوياً عابراً، بل أصبح قضية استراتيجية تتصل بمستقبل المجتمعات، وقدرتها على إعداد أجيال تمتلك التفكير النقدي، والوعي الوطني، والقدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين المعرفة الرصينة والمحتوى الذي يستهدف جذب الانتباه وتحقيق الانتشار بأي ثمن.

الشاشة تدخل ميدان التربية

لم تعد المدرسة المصدر الوحيد الذي يستقي منه الشباب معارفهم، كما لم تعد الأسرة قادرة، بمفردها، على احتواء جميع المؤثرات التي تتعرض لها عقول الأبناء. فقد فرضت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية واقعاً جديداً، أصبحت فيه المعلومة متاحة خلال ثوانٍ، فيما تحوّل بعض المؤثرين إلى مرجعيات غير رسمية تستقطب اهتمام الشباب، وتؤثر في آرائهم وتصوراتهم عن النجاح والحياة والعلاقات والقيم.

وفي مقابل الدور التربوي والتعليمي الذي تؤديه المدرسة، بما تمتلكه من مناهج ومعلمين وأطر معرفية، تقدم الشاشة محتوى متدفقاً لا يخضع بالضرورة لمعايير الدقة أو المسؤولية. وهنا تكمن المفارقة: المدرسة تمنح المعرفة ضمن سياق تربوي منظم، بينما تستطيع المنصات الرقمية الوصول إلى الطالب في أي وقت، وبأساليب بصرية وتفاعلية تجعل تأثيرها سريعاً ومتكرراً.

لكن السؤال ليس ما إذا كانت التكنولوجيا نافعة أو ضارة؛ بل كيف نضمن أن تتحول إلى أداة لبناء الوعي، لا إلى وسيلة لاستلابه؟

الأسرة والمدرسة والمؤثرون… من يمتلك الكلمة الأقوى؟

إن استطلاع آراء الشباب حول مصادر معرفتهم وتأثرهم يكشف أهمية دراسة العلاقة بين خمسة مكونات رئيسية: المدرسة، والأسرة، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمؤثرين، والمنصات الرقمية التعليمية والثقافية.

فالمدرسة تؤسس المهارات العلمية ومناهج التفكير، والأسرة تغرس القيم والسلوك والانتماء، فيما تفتح المنصات الرقمية أبواباً واسعة للاطلاع والتعلم والتفاعل مع العالم. أما المؤثرون، فتتفاوت أدوارهم بين تقديم المعرفة والخبرة والإلهام، وبين نشر معلومات غير موثوقة أو تكريس أنماط استهلاكية وسلوكيات سطحية.

ومن منظور استراتيجي، لا يمكن تحديد الجهة صاحبة التأثير الأكبر بمعزل عن عمر الشاب، وبيئته الاجتماعية، ومستوى ثقته بمصادر المعرفة، وطبيعة المحتوى الذي يتابعه، والوقت الذي يقضيه أمام الشاشة.

والأهم أن كثافة التأثير لا تعني بالضرورة جودة التأثير؛ فالمحتوى الأكثر مشاهدة ليس بالضرورة الأكثر صدقاً، والأكثر انتشاراً ليس بالضرورة الأكثر قيمة.

استطلاع الرأي… ضرورة لفهم التحولات

يتطلب الوصول إلى إجابة دقيقة إجراء استطلاع ميداني يسأل الشباب عن المصدر الذي يعتمدون عليه أولاً للحصول على المعلومات، والجهة التي يثقون بها أكثر، ومدى تأثير المؤثرين في قراراتهم، وقدرتهم على التحقق من الأخبار والمعلومات المتداولة.

كما ينبغي أن يتناول الاستطلاع دور الأسرة في توجيه الاستخدام الرقمي، ومدى مواكبة المناهج المدرسية للتغيرات التقنية، وحاجة الطلبة إلى برامج متخصصة في التربية الإعلامية والوعي الرقمي ومكافحة التضليل.

ولا يصح إعلان نتائج أو نسب مئوية قبل جمع البيانات وتحليلها وفق عينة واضحة ومنهجية علمية معلنة؛ فالمصداقية الصحفية تبدأ من الفصل بين الرأي والنتيجة الميدانية، وبين الفرضية التي تستحق البحث والحقيقة التي تثبتها الأدلة.

الوعي مسؤولية مشتركة

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين المدرسة والشاشة، بل في بناء منظومة متكاملة تجعل المعرفة المدرسية أكثر ارتباطاً بالواقع، والأسرة أكثر قدرة على الحوار، والمنصات الرقمية أكثر توظيفاً في التعلم، والشباب أكثر امتلاكاً لأدوات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات.

فالشاب الذي يتعلم كيف يسأل، ويفحص الأدلة، ويميز بين الرأي والحقيقة، لن يكون مجرد متلقٍ للمحتوى، بل عقلاً قادراً على تقييمه ومساءلته.

وفي المحصلة، فإن معركة صناعة الوعي لا تُحسم بإغلاق الشاشات، ولا بالاكتفاء بالمناهج، وإنما بتكامل التربية والمعرفة والتكنولوجيا والمسؤولية المجتمعية.

فالمدرسة تبني أساس المعرفة، والأسرة تؤصل القيم، والشاشة توسّع دائرة التأثير؛ أما الوعي الحقيقي، فيولد حين يمتلك الإنسان القدرة على التفكير، لا مجرد القدرة على التلقي.

وهنا يبقى السؤال مفتوحاً أمام المؤسسات التعليمية والتربوية والإعلامية: هل نترك خوارزميات المنصات تحدد ما يشاهده الجيل الجديد وما يعتقده، أم نبادر إلى صناعة بيئة معرفية تحمي عقله، وتنمّي قدراته، وتؤهله للمشاركة في بناء مستقبل وطنه؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مسؤولية جيلٍ وحده، بل مسؤولية مجتمعٍ بأكمله.

قد يعجبك ايضا
∧