القبول الجامعي بين أرقام المقاعد واحتياجات الدولة.

جمعة المالكي

عندما تتحول أعداد المقبولين في الجامعات إلى أرقام تتكرر كل عام من دون أن تقابلها رؤية واضحة لاحتياجات سوق العمل وفرص التشغيل يصبح من حق المجتمع أن يسأل هل نخطط لمستقبل أبنائنا أم نكتفي بفتح أبواب الكليات وترك الخريجين يواجهون مصيرهم بأنفسهم؟
لقد استوقفني خلال اطلاعي على إعلان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أعداد الطلبة المقبولين في الدراسات الصباحية للعام الحالي قبول 14,661 طالباً في كليات الزراعة، وهو رقم يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية بشأن الأسس التي تعتمدها الوزارة في تحديد أعداد المقبولين ، هل تستند إلى دراسة دقيقة لاحتياجات البلاد الفعلية من الاختصاصات الزراعية أم إلى الطاقة الاستيعابية للكليات ومقاعدها المتاحة؟
إن كان العراق بحاجة إلى هذا العدد الكبير من المهندسين الزراعيين فأين هي الخطط الزراعية القادرة على استيعابهم؟ وأين المشاريع التي تستثمر طاقاتهم العلمية؟ وكيف نفسر استمرار اعتماد البلاد على استيراد الخضراوات والمنتجات الزراعية في كثير من شهور السنة في وقت تتخرج فيه أعداد متزايدة من المختصين بهذا القطاع؟
إن المشكلة لا تكمن في التوسع بقبول الطلبة في كليات الزراعة ، فالعراق بحاجة إلى تطوير قطاعه الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي وإنما في غياب التكامل الواضح بين إعداد الكوادر العلمية وتطوير الإنتاج المحلي وإنشاء المشاريع وتوفير فرص العمل التي تستثمر هذه الكفاءات.
ولا تقف القضية عند حدود الزراعة فهناك اختصاصات أخرى منها العلوم السياسية والإدارة والاقتصاد والقانون والإعلام والعلوم والهندسة وغيرها يتخرج منها آلاف الطلبة سنوياً بينما يواجه كثير منهم محدودية فرص العمل في اختصاصاتهم ويظل بعضهم سنوات طويلة بانتظار التعيين من دون أن تتضح أمامهم مسارات مهنية بديلة تستثمر ما اكتسبوه من معرفة ومهارات.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله أين دور وزارة التخطيط والمؤسسات المعنية في رسم خريطة وطنية للاحتياجات الوظيفية وربط مخرجات التعليم العالي بمتطلبات التنمية؟
فالتخطيط السليم لا يبدأ بعد تخرج الطلبة وارتفاع مطالبات التعيين بل يبدأ قبل قبولهم في الجامعات من خلال قراءة احتياجات القطاعات الحكومية والخاصة وتقدير الطلب المستقبلي على الاختصاصات ومراجعة أعداد المقبولين وفق مؤشرات واقعية مع مراعاة أهمية بعض التخصصات التي قد لا توفر تعييناً حكومياً مباشراً لكنها تفتح آفاقاً للعمل في القطاع الخاص أو المشاريع الإنتاجية.
ومن غير المنطقي أن تستمر الدولة في إعداد الأعداد نفسها من الخريجين من دون مراجعة دورية لمدى حاجة الاقتصاد إليهم أو وضع برامج عملية لتحويل الشهادات الجامعية إلى طاقات منتجة تسهم في بناء البلاد.
إن مسؤولية الدولة لا تنتهي بمنح الطالب مقعداً دراسياً أو تسليمه شهادة تخرج ، بل تمتد إلى بناء بيئة اقتصادية وتنموية تتيح له توظيف علمه وتمنحه فرصة عادلة للمشاركة في الإنتاج والإعمار.
إنا هنا لا أطالب بإغلاق الكليات أو الحد من طموح الشباب في مواصلة تعليمهم بل أطالب بتخطيط علمي يوازن بين حق التعليم وحاجة المجتمع وبين أعداد المقبولين وقدرة السوق على استثمار طاقاتهم.
لذلك فإن المطلوب هو وضع استراتيجية وطنية مشتركة بين وزارات التعليم العالي والتخطيط والعمل والقطاعات الإنتاجية تتضمن قاعدة بيانات دقيقة عن الخريجين ودراسات دورية لاحتياجات سوق العمل ومراجعة أعداد القبول والتخصصات إلى جانب دعم المشاريع الزراعية والصناعية والاستثمارية التي تخلق فرصاً حقيقية للخريجين.
فالثروة الحقيقية للبلاد ليست في عدد الشهادات التي تمنحها جامعاتها بل في قدرتها على تحويل العلم إلى إنتاج والكفاءة إلى إنجاز والشباب إلى قوة فاعلة في التنمية.
أما أن تتوسع الجامعات في تخريج الآلاف فيما تتقلص أمامهم فرص العمل فذلك خلل لا تعالجه زيادة المقاعد الدراسية بل تعالجه دولة تخطط للمستقبل قبل أن تضع أبناءها أمام المجهول.

قد يعجبك ايضا
∧