عادل النواب
يواجه القطاع التعليمي في العراق تحديات متراكمة تتعلق بنقص الأبنية المدرسية، وتردي البنى التحتية، وعدم توفر الخدمات الأساسية، فضلاً عن نقص الكوادر التعليمية.
انطلقت السنة الدراسية الجديدة في العراق وتوجه أكثر من 13 مليون تلميذ وتلميذة في مختلف المراحل التعليمية إلى مقاعدهم المدرسية، وسط آمال بمعالجة واقع التعليم المتردي، باعتباره أحد أكثر الملفات الخدمية حساسية.
ولا تزال الكثير من المشكلات الكبرى التي برزت خلال السنوات السابقة حاضرة، وفي مقدمتها النقص الكبير في أعداد الأبنية المدرسية، ما دفع آلاف المدارس إلى اعتماد نظام الدوام المزدوج، فيما تضطر مدارس أخرى، لا سيما في العاصمة بغداد، إلى العمل بثلاثة دوامات يومياً لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الطلبة.
وانعكس هذا الواقع المتردي بصورة مباشرة على البيئة التعليمية، إذ أدى اكتظاظ الصفوف إلى تقليص المساحات المتاحة لحركة الطلبة، وتضع الأعداد الكبيرة من الطلبة في الكثير من الصفوف تحديات إضافية على كاهل المعلمين في إيصال المادة العلمية، وتحقيق المستوى المطلوب من جودة التعليم.
كما تواجه المدارس القائمة مشكلات تتعلق بتهالك العديد من الأبنية وافتقارها الى المياه الصالحة للشرب، ومرافق صحية، وخدمات أساسية فضلاً عن أزمات متفاقمة من بينها توفير الكتب الدراسية، وتحديث المناهج.
وفي جانب آخر، تبرز مشكلات المعلمين باعتبارهم الركيزة الأساسية في بناء الأجيال، وسط مطالبات متكررة بتوفير دعم أكبر للكوادر التربوية، لا يقتصر على الجانب المادي فقط، وإنما يشمل أيضاً الجوانب المهنية والمعنوية، بما يشمل تحسين ظروف العمل، وتوفير برامج التدريب المستمر، ورفع مستوى التأهيل والخبرات بما يتناسب مع التطورات التي يشهدها قطاع التعليم.
يقول الباحث التربوي فالح القريشي، لـ”العربي الجديد”، إن “الحديث عن معالجة أزمة الأبنية المدرسية يتكرر مع بداية كل سنة دراسية، لكن ما تحقق على أرض الواقع خلال السنوات الماضية لا يزال دون مستوى الحاجة الفعلية، ولا يقارن بالزيادة المستمرة في أعداد الطلبة، والنقص الكبير في أعداد المدارس. استمرار العمل بنظام الدوامين والثلاثة دوامات في عدد من المدارس بمحافظات مختلفة، إلى جانب استمرار وجود مدارس طينية أو كرفانية، يعكس حجم الخلل في التخطيط الحكومي، ومدى الاستجابة الرسمية لاحتياجات القطاع التربوي“.
ويبين القريشي أن “الاكتظاظ لا يؤثر على راحة الطلبة فقط، بل ينعكس بصورة مباشرة على جودة التعليم المقدم لهم، وعلى قدرة المعلم على إيصال المادة الدراسية بالشكل المطلوب، والأزمة لا تقتصر على ضرورة الإسراع ببناء مدارس جديدة، وإنما تشمل أيضاً ضرورة تأهيل المدارس القائمة.“.
ويشدد الباحث التربوي على أن “العراق بحاجة إلى رؤية طويلة الأمد لإصلاح قطاع التعليم، تبدأ من معالجة أزمة الأبنية المدرسية، مروراً بتطوير المناهج، وتأهيل المعلمين وتحسين ظروفهم المهنية والمادية، فالاستثمار في التعليم يجب أن يكون أحد أبرز أولويات الدولة باعتباره استثماراً مباشراً في مستقبل البلاد.“.
في السياق نفسه، كشف “مرصد إيكو عراق” المختص بالشؤون الاقتصادية أن عدد المدارس التي يرتادها التلاميذ في العراق يتجاوز 40 ألف مدرسة، لكن هذا العدد لا يزال غير كافٍ لتلبية الحاجة الفعلية، إذ إن هناك حاجة إلى نحو 8 آلاف مدرسة جديدة للتحول إلى نظام الدوام الفردي، بحيث تمتلك كل مدرسة مبنىً مستقلاً“.
وأكد المرصد أن “معالجة الاكتظاظ داخل الصفوف وتحقيق بيئة تعليمية أفضل يتطلبان بناء أكثر من 10 آلاف مدرسة جديدة، خاصة أنه لا تزال هناك نحو 200 مدرسة طينية و800 مدرسة كرفانية يرتادها الطلبة في محافظتي صلاح الدين وذي قار. المحافظات والمدن الأكثر كثافة سكانية، مثل بغداد والموصل والبصرة، تعد من أكثر المناطق حاجة إلى بناء مدارس جديدة.
من جانبه، يؤكد المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم العراقية كريم السيد، أن “الوزارة تعمل على معالجة الإشكاليات التي تواجه العملية التعليمية، لا سيما ما يتعلق بنقص الأبنية المدرسية، والاكتظاظ، والدوام المزدوج والثلاثي، والسنة الدراسية الحالية ستشهد خطوات عملية من شأنها تخفيف هذه التحديات مقارنة بالأعوام السابقة“.
وأوضح السيد أن “الوزارة تدرك حجم التحديات المتراكمة في القطاع التربوي، والمشاريع الجديدة تمثل خطوة مهمة باتجاه معالجة النقص الحاصل في أعداد المدارس، والسنة الدراسية الحالية ستكون مختلفة عن السنوات السابقة من حيث حجم المشاريع التي دخلت إلى الخدمة، والإجراءات المتخذة لمعالجة الاختناقات التي تواجه المدارس. معالجة ملف التربية يحتاج إلى تضافر جهود جميع الجهات الحكومية، وتواصل وزارة التربية متابعة المشاريع لتسريع إنجازها، ما يسهم في الوصول إلى بيئة مدرسية مناسبة، وإنهاء ظواهر الاكتظاظ والدوام، والمدارس غير الملائمة“.
يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة هو تحويل المشاريع والخطط المعلنة إلى نتائج ملموسة. ويبقى السؤال: هل تنجح الإجراءات الحكومية خلال السنة الدراسية الجديدة في الانتقال بقطاع التربية من معالجة الاختناقات السنوية إلى بناء منظومة تعليمية مستقرة ومستدامة؟