محمد علي محيي الدين
في مسيرة القضاء العراقي الحديث، يبرز اسم إسماعيل إبراهيم إسماعيل العمري بوصفه واحداً من رجال القانون الذين لم يكتفوا بتطبيق النصوص، بل حاولوا أن يمنحوها روحاً فكرية وأفقاً إنسانياً أوسع، فجمع بين دقة القاضي واهتمام الكاتب، وبين صرامة التشريع ورهافة التعبير الأدبي.
وُلد في مدينة الموصل عام 1928، المدينة التي عُرفت بتاريخها العلمي والقضائي والثقافي، والتي شكّلت بيئة خصبة لعدد من رجالات الفكر والقانون. وفيها تلقى تعليمه الأولي قبل أن يتوجه إلى دراسة الحقوق، حيث تخرج في كلية الحقوق عام 1952، ليبدأ بعدها مسيرة مهنية طويلة في سلك القضاء.
تنقل بين محاكم بغداد والموصل، حيث عمل قاضياً في فترات مختلفة، مكتسباً خبرة واسعة في التعامل مع القضايا المدنية والجزائية، ومعايشاً لتحولات المجتمع العراقي في مرحلة ما بعد تأسيس الدولة الحديثة. وقد عُرف في أوساطه المهنية بالدقة في تطبيق القانون، والحرص على تحقيق العدالة ضمن إطارها المؤسسي.
ولم يكن العمري مجرد رجل قانون فحسب، بل كان أيضاً صاحب ميول أدبية وثقافية، إذ كتب الشعر ونشر بعض نصوصه في الصحف العراقية، كما نشر مقالات سياسية وفكرية في عدد من الصحف مثل «السجل» و«الوميض» و«الهدف»، مما يعكس اهتمامه بالشأن العام وقراءته للواقع من زاوية قانونية وفكرية في آن واحد.
شارك في عدد من المحافل القانونية العربية، من بينها مؤتمر المحامين العرب في القاهرة عام 1960، ثم في تونس عام 1976، حيث كان حاضراً في النقاشات القانونية العربية التي كانت تسعى إلى تطوير التشريعات وتبادل الخبرات بين الدول.
أما في الجانب التأليفي، فقد ترك عدداً من الكتب القانونية المهمة التي تناولت موضوعات دقيقة في القانون المدني والإثبات، من أبرزها «نظرية الحوادث الطارئة في القانون المدني» الصادر عام 1974، و«الحق ونظرية التعسف في استعمال الحق» عام 1975، و«شرح قانون الإثبات» عام 1989، وهي مؤلفات تعكس اهتمامه بتأصيل المفاهيم القانونية وتحليلها ضمن إطار أكاديمي رصين.
وقد كتب عنه عدد من الباحثين والكتاب، من بينهم فريد فتيان في مجلة «الكتاب»، وفيصل حبيب الخيزران في مقدمة كتابه حول نظرية الحوادث الطارئة، حيث أشاروا إلى مكانته العلمية وإسهاماته في الفكر القانوني العراقي. كما كان عضواً في جمعية حقوق الإنسان واتحاد المحامين العرب، ما يعكس حضوره في الأطر المهنية العربية والدولية.
توفي عام 1996، بعد أن ترك خلفه إرثاً قانونياً وفكرياً يجمع بين القضاء والتأليف، وبين الممارسة المهنية والتأمل الفكري، ليبقى اسمه ضمن جيل من القضاة الذين أسهموا في ترسيخ أسس القانون الحديث في العراق.