حسن العمري.. عاشق التراث الموصلي

محمد علي محيي الدين

حين رحل الباحث الموصلي حسن العمري قبل سنوات، فقدت الساحة الثقافية العراقية واحداً من أولئك الذين عملوا بصمت، بعيداً عن الأضواء، لكنهم تركوا آثاراً لا يمكن تجاهلها. كان رحيله مؤلماً، ولا سيما لمن عرفوا حجم المشاريع التي كان يخطط لها ويعمل عليها، إذ كان في أوج عطائه الفكري، يحمل في ذهنه الكثير من الأفكار والبحوث التي كان يسعى إلى إخراجها للنور. ومن بين تلك المشاريع التي بقيت شاهدة على اهتمامه بالتراث، دراسته عن الجمل التي كان قد أنجزها تقريباً، حتى إن الأستاذ يوسف ذنون أكد أنه ساعد في تهيئتها للطبع وتسليمها إلى زوجة الراحل، أملاً في أن ترى طريقها إلى القراء.
ولد حسن العمري في مدينة الموصل سنة 1933، ونشأ في بيئة ثقافية كان لها أثر واضح في تكوين شخصيته، فهو ابن الباحث والصحفي والنائب ورئيس بلدية الموصل المعروف خير الدين العمري، أحد الشخصيات التي تركت بصمة في الحياة العامة والثقافية للمدينة. أنهى حسن العمري دراسته الثانوية في الموصل سنة 1950، ثم انتقل إلى بغداد ليدرس القانون في كلية الحقوق، وتخرج فيها سنة 1954. لكنه لم يجد نفسه في الوظيفة الحكومية، فاختار طريق العمل الحر، وأثبت فيه نجاحاً متميزاً، مع بقاء شغفه الحقيقي موجهاً نحو البحث والقراءة والتنقيب في التراث.
كان ارتباطه بإرث والده واضحاً، فقد عمل على جمع بعض آثاره ونشرها، ومن ذلك كتاب «من كل واد حجر» الذي صدر في بيروت سنة 1973، وهو عمل يعكس اهتمامه بجمع الشذرات التاريخية والأدبية التي تحفظ ذاكرة المكان والإنسان. ولم يكن اهتمام العمري بالتراث المحلي مقتصراً على الموصل أو العراق، بل امتد إلى الموروث الإنساني الأوسع، ولعل أبرز أعماله في هذا المجال ترجمته ملحمة كلكامش إلى اللغة العربية، وهي واحدة من أعظم النصوص الأدبية التي عرفتها الحضارة الإنسانية.
وقد جاءت هذه الترجمة ثمرة جهد ثقافي وفني جماعي مميز؛ إذ إن العمري نقل الملحمة عن الأصل الذي صاغه الشاعر الإنكليزي هربرت ميسن، ثم قام الشاعر الموصلي عبد المحسن عقراوي بتحويل الترجمة إلى صياغة شعرية عربية، لتصدر في بغداد عن مطبعة الأديب سنة 1985. وزادت قيمة العمل بالمقدمة التي كتبها الشاعر والناقد جبرا إبراهيم جبرا، وبالخط العربي الجميل الذي أنجزه الفنان والباحث الموصلي يوسف ذنون، فضلاً عن التخطيطات الفنية التي وضعها الفنان التشكيلي راكان دبدوب. وهكذا أصبحت الملحمة نموذجاً نادراً لتكامل جهود الأدباء والفنانين والباحثين في عمل واحد، وهي صورة من صور التعاون الثقافي الذي تحتاجه الحياة الفكرية العراقية باستمرار.
ولم يتوقف اهتمام حسن العمري عند هذا الحد، فقد كان مولعاً بالكائنات والرموز التي تشكل جزءاً من الذاكرة الشعبية والطبيعية، فأصدر سنة 1984 كتابه المميز «خيالات وحقائق عن معشر اللقالق»، وهو كتاب يكشف جانباً آخر من شخصيته الباحثة التي لا تكتفي بالمألوف، بل تبحث عن المعنى الكامن خلف الظواهر والأشياء. كما ترك وراءه أعمالاً مخطوطة، من بينها دراسة عن الأديان الثلاثة، مما يدل على اتساع اهتماماته وتنوع مجالات بحثه.
وقد حظيت ترجمة العمري لملحمة كلكامش بتقدير كبير من الأديب جبرا إبراهيم جبرا، الذي أشاد بجمالها وحيويتها، مؤكداً أنها جاءت ترجمة نضرة استطاعت أن تمنح النص القديم حياة جديدة في اللغة العربية. وشبه جبرا هذا الإنجاز بما فعلته نينوى حين حفظت ألواحها آلاف السنين لتقدمها للبشرية من جديد، معتبراً أن حسن العمري، بوصفه أحد أبناء الموصل البررة، قد أعاد تقديم هذا الإرث الإنساني في ثوب عربي يليق بمكانته.
لقد كان حسن العمري مثالاً للمثقف الذي يجمع بين الوفاء للتراث والانفتاح على الحضارة الإنسانية، فلم ينظر إلى الماضي بوصفه زمناً منقضياً، بل رآه مصدراً للإلهام والمعرفة. ومن هنا جاءت أعماله محاولة لإعادة قراءة الموروث الشعبي والحضاري وربطه بالحاضر، وهي مهمة لا تقل أهمية عن أي مشروع فكري آخر.
وكما يشير الدكتور إبراهيم خليل العلاف في مقاله «حسن العمري والتراث الشعبي العراقي» المنشور في موقع الحوار المتمدن بتاريخ 5 آذار 2009، فإن العمري كان من أبناء الموصل الذين خدموا تراثها وثقافتها بإخلاص، وتركوا أعمالاً تؤكد أن المدن لا تحفظ ذاكرتها بالمباني وحدها، بل بأبنائها الذين يحملون همّ المعرفة ويقدمونها للأجيال القادمة. رحم الله حسن العمري، فقد كان صوتاً هادئاً من أصوات الثقافة العراقية، وأحد أولئك الذين يثبتون أن العطاء الحقيقي يبقى حياً حتى بعد غياب صاحبه.

قد يعجبك ايضا
∧