محمد علي محيي الدين
محمد حسين السعدي، واحد من أبرز الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الجراحة في البصرة والعراق، ومن الجيل الذي لم يكتفِ بممارسة الطب، بل سعى إلى تأسيس تقاليد طبية حديثة في بيئة كانت مؤسساتها الصحية في طور التشكل. ولد سنة 1919، وتخرج في الكلية الطبية الملكية ببغداد ضمن الدورة التاسعة سنة 1941، ثم أمضى نحو ثلاث سنوات في التدريب ببغداد قبل أن ينتقل إلى البصرة، حيث اختار أن يستقر ويجعل من المدينة ميداناً واسعاً لمشروعه الطبي والعلمي.

كان السعدي من أوائل الأطباء الذين أدركوا أن تطور الجراحة لا يتحقق بمهارة الجراح في غرفة العمليات وحدها، وإنما يحتاج إلى مؤسسة متكاملة تقوم على حسن التشخيص، والتنظيم، والتدريب، والرعاية التي تسبق العملية وتليها. ولهذا انصرف منذ وصوله إلى البصرة إلى تطوير قسم الجراحة في مستشفى البصرة الملكي، الذي كان قد عرف في مراحل لاحقة بأسماء أخرى، منها مستشفى مود التذكاري والمستشفى الجمهوري، ثم مستشفى البصرة العام. وخلال الخمسينيات والستينيات أخذ القسم يتحول تدريجياً من وحدة ذات إمكانات أساسية إلى مركز جراحي أكثر تنظيماً، يعتمد الممارسة السريرية الحديثة ويحسن رعاية المرضى بعد العمليات.
وبرز اسم الدكتور السعدي في عدد من الإجراءات والتداخلات الجراحية، ونُسب إليه إدخال تعديلات على بعض الأساليب المتعارف عليها في زمنه، ومن بينها استئصال البروستاتا عبر العجان، ومعالجة الأكياس المائية في الكبد، وهو المجال الذي ارتبط به اسمه بوصفه من رواد جراحة الكبد في العراق. كما تنسب إليه المصادر إجراء عملية ناجحة لفصل توائم سيامية، وتصفه بأنه كان من أوائل الجراحين في المنطقة الذين خاضوا مثل هذه التجربة الجراحية المعقدة. وإلى جانب عمله السريري، نشر بحوثاً في التشخيص والعلاج الجراحي، وأسهم في التأليف الطبي، الأمر الذي جعل تجربته تتجاوز حدود الممارسة اليومية إلى دائرة المعرفة الطبية والتوثيق العلمي.
ولم يكن قسم الجراحة الذي أسسه السعدي مجرد مكان لإجراء العمليات، بل أصبح مدرسة عملية لجيل من الأطباء. فقد كان يؤمن بأن مستقبل الطب العراقي لا يمكن أن يقوم على استقدام المعرفة من الخارج وحده، وإنما على تدريب أطباء قادرين على إنتاج المعرفة وممارستها محلياً. ولهذا أولى طلبة الطب والأطباء الشباب اهتماماً كبيراً، وأصبح التعليم والتدريب جزءاً أصيلاً من رسالته. وكانت البصرة، بحكم موقعها واتصالها بالعراق والخليج، قادرة على أن تتحول إلى مركز طبي يستقطب المرضى من جنوب العراق والكويت ودول الخليج والمملكة العربية السعودية، وهو ما عزز مكانة قسم الجراحة الذي ارتبط باسمه.
وكان السعدي في مقدمة المتخصصين الذين شاركوا في مشروع تأسيس كلية الطب في البصرة، إذ ورد اسمه على رأس قائمة المختصين في لجنة التأسيس سنة 1967. ولم يكن دوره إدارياً أو استشارياً فحسب، بل شارك في تدريس الطلبة وتدريبهم، فانتقل تأثيره من غرفة العمليات إلى قاعات التعليم الطبي. وقد بقيت هذه الصلة حاضرة بعد رحيله، إذ حملت إحدى قاعات كلية الطب في البصرة اسمه تخليداً لدوره في تأسيس الكلية وتدريب أجيال من أطبائها.
وتبدو شخصية السعدي، في ما نقل عنه، مختلفة عن صورة الطبيب الذي تحيط به الشهرة والمكانة الاجتماعية؛ فقد وصف بأنه متواضع وصريح، لا يتردد في إبداء رأيه في مستوى المؤسسات الصحية أو في قدرات العاملين فيها. وربما كان هذا الوضوح يضعه أحياناً في مواقف صعبة مع السلطات، إلا أن دافعه، وفق ما ترويه المصادر التي تناولت سيرته، كان مرتبطاً بما يراه مصلحة للمريض وتطويراً للخدمة الطبية. فالجراح الذي يقف أمام مرضاه في غرفة العمليات لا يستطيع أن يفصل بين مسؤولية نجاح العملية ومسؤوليته عن البيئة الطبية التي تجري فيها.
وقد حظيت مهاراته الجراحية بتقدير واسع، وحصل خلال مسيرته على عدد من التكريمات والزمالات المهنية، من بينها زمالة الكلية الملكية للجراحين، كما حصل على درجة الماجستير في الجراحة وزمالة الكلية الدولية للجراحين سنة 1974. وتكشف هذه المكانة عن حجم الصلة التي أقامها بين تجربته العراقية والحركة الجراحية العالمية، فقد كان كثير السفر، يذهب أحياناً للاستراحة واكتشاف العالم، وأحياناً لمتابعة ما يستجد في مجال الجراحة، وهو ما يفسر حرصه على أن تظل ممارسته الطبية متصلة بالتطورات العلمية الحديثة.
وللسعدي في ذاكرة البصرة حضور يتجاوز المستشفى والجامعة. فقد اشتهر بحبه للسيارات الأميركية الفارهة، وكانت سيارته تحمل الرقم «البصرة 1»، وهي تفصيلة صغيرة تحولت مع الزمن إلى جزء من صورته الشعبية في المدينة. كما ظل الشارع الذي كان يقع فيه مستشفاه وعيادته يعرف بين الناس باسم «شارع السعدي»، في إشارة إلى المكانة التي اكتسبها اسمه في الذاكرة المحلية. والمفارقة أن المبنى نفسه ظل مستخدماً في النشاط الطبي، وكأن المكان واصل حمل شيء من أثر الطبيب الذي ارتبط به.
وعلى مدى عقود، ظل جناح الجراحة الأول في مستشفى مود التذكاري، ثم الملكي والجمهوري، مرتبطاً بحضوره ونشاطه، حتى أصبح السعدي واحداً من أكثر الأسماء حضوراً في تاريخ الجراحة البصرية والطبية في البصرة. وفي الوقت نفسه لم ينقطع عن متابعة التطورات الجراحية خارج العراق، فكان السفر بالنسبة إليه وسيلة للاطلاع والتجدد، لا مجرد هواية، وهو ما يعكس طبيعة الجيل الذي حاول أن ينقل الطب العراقي من مرحلة التلقي إلى مرحلة المشاركة والتطوير.
توفي محمد حسين السعدي يوم الجمعة 28 كانون الثاني 2005، بعد حياة طويلة أمضاها في الجراحة والتعليم وبناء المؤسسات الطبية. وقد رثته المجلة الطبية البريطانية في عددها 331 الصادر في 8 أيلول 2005، في إشارة إلى المكانة التي اكتسبها خارج العراق أيضاً. أما في البصرة، فقد بقي اسمه حاضراً في المكان الذي عمل فيه وبين الأطباء الذين دربهم والطلبة الذين علمهم، كما خلدت كلية الطب ذكراه بإطلاق اسمه على إحدى قاعاتها.
وتكشف سيرة محمد حسين السعدي عن معنى أوسع للريادة؛ فالرائد ليس من ينجح في إجراء عملية استثنائية فحسب، وإنما من يترك وراءه مدرسة ومؤسسة وأطباء يواصلون الطريق. ومن هذه الزاوية يمكن فهم مكانته في تاريخ البصرة الطبي، فقد أسهم في تحويل الجراحة من ممارسة فردية إلى منظومة تجمع الطبيب والمستشفى والتعليم والبحث العلمي. ولهذا بقي اسمه حاضراً في ذاكرة المدينة وكلية طبها، بوصفه واحداً من الرجال الذين جعلوا من الجراحة مهنة وعِلماً ورسالة.
المصادر: وقد استندت هذه السيرة إلى مادة غانم يونس الشيخ «أطباء البصرة الرواد في القرن العشرين – الجزء الثاني»، المنشورة في مجلة «الكاردينيا» في 20 كانون الثاني 2017، وإلى المصادر الطبية والتوثيقية المشار إليها في المادة، وما ورد فيها عن مسيرة الدكتور محمد حسين السعدي وتكريمه ودوره في تأسيس كلية الطب في البصرة.