عباس الصالحي
لا يمكن لأي أمة أن تبني حاضرها أو تصنع مستقبلها من دون تربية سليمة وتعليم رصين، فالتربية والتعليم وجهان لعملة واحد، فالأولى تعنى ببناء الأخلاق والقيم، والثانية تنمي المعرفة والعلم والوعي.
وحين يجتمع العلم مع الأخلاق تتشكل الشخصية المتوازنة القادرة على تحمل المسؤولية وخدمة المجتمع والمساهمة في نهضة الوطن.
إن المدرسة والجامعة ليست مجرد مكان لتلقي المعلومات، بل هما مؤسستان لصناعة الإنسان الصالح القادر على خدمة مجتمعه ووطنه.
ومن خلال المعلم والمدرس والأستاذ الجامعي تتشكل عقول الأجيال وتغرس مبادئ الاحترام والتسامح والمحبة والانتماء والعمل الجاد.
ان المعلم لا يقدم دروس علمية فقط، بل هو شريك مهم في بناء الشخصية للطفل وصولا لمرحلة الشباب، ويزرع فيه الثقة بالنفس وروح المبادرة والقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ.
ولذلك ينبغي أن نبتعد عن بعض الأفكار الدخيلة التي تحاول تصوير المعلم أو الأستاذ الجامعي على أنه خصم أو عدو للطلبة، لأن العلاقة الحقيقية بينهما تقوم على التوجيه والإرشاد والتكامل من أجل تحقيق النجاح العلمي والإنساني.
فالمعلم الناجح يفرح لنجاح طلبته، والأستاذ المخلص يرى في تفوقهم ثمره لجهوده ورسالة تجاه المجتمع، كما أن الطالب الواعي يدرك أن من يقف أمامه في الصف أو قاعة الدراسة إنما يحمل رسالة سامية هدفها مساعدته على بناء مستقبله.
ومن هنا تبرز أهمية ترسيخ ثقافة احترام المعلم والمدرس والأستاذ الجامعي داخل الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام ومختلف مؤسسات المجتمع.
ان الأمم التي تحترم معلميها وتحفظ مكانتهم هي أمم تحترم العلم والمعرفة وتسير بخطوات ثابتة نحو التقدم والتطور، أما المجتمعات التي تضعف فيها مكانة المعلم فإنها تخاطر بإضعاف العملية التعليمية وما ينتج عنها من تراجع في مستوى الوعي والثقافة والإبداع.
إن احترام المعلم لا يقتصر على الكلمات والشعارات، بل يظهر من خلال السلوك اليومي والتعامل الراقي معه والاستماع إلى توجيهاته وتقدير جهوده والدفاع عن مكانته الاجتماعية.
كما أن هذا الاحترام يجب أن ينعكس في القوانين والأنظمة التي تحفظ كرامته وتوفر له البيئة المناسبة لأداء رسالته التربوية والتعليمية بأفضل صورة ممكنة.
ولعل من أهم صور احترام المعلم والأستاذ الجامعي هو منحه حقوقه المعنوية والمادية كاملة.
فالتقدير المعنوي يمنحه الشعور بقيمة رسالته ومكانته في المجتمع، بينما تساعده الحقوق المادية العادلة على أداء واجبه بعيداً عن الضغوط والهموم التي قد تؤثر في عطائه.
فالمعلم الذي يشعر بالاستقرار والاحترام يكون أكثر قدرة على الإبداع والعطاء وتخريج أجيال واعية ومثقفة قادرة على خدمة الوطن.
كما أن الاستثمار الحقيقي في التعليم لا يكون ببناء المدارس والجامعات فقط، مع أهمية ذلك، بل يبدأ بالاستثمار في الإنسان الذي يقود العملية التعليمية.
فالمعلم الكفوء والأستاذ المتمكن هما أساس نجاح أي مشروع تربوي أو علمي، ومن خلال دعمهما وتطوير قدراتهما وتوفير الحياة الكريمة لهما يمكن تحقيق نتائج إيجابية تنعكس على المجتمع بأكمله.
إذا أردنا وطن أكثر ثقافه وتقدم واستقرار، فعلينا أن نبدأ من المدرسة والجامعة، وأن نمنح المعلم والمدرس والأستاذ الجامعي ما يستحقونه من احترام وتقدير وحقوق، لأنهم صناع الأجيال وحملة رسالة العلم والمعرفة، وبجهودهم تبنى العقول وتنهض الأوطان.