محمد علي محيي الدين
في مدينة الموصل، حيث تختلط أصوات الأجراس بنداءات المآذن، وتتعانق طبقات التاريخ فوق ضفاف دجلة، وُلد بهنام سليم حبّابة في السادس والعشرين من أيار سنة 1927، ليكون واحداً من أولئك الرجال الذين عاشوا حياتهم حراساً للذاكرة العراقية، يوثقون تفاصيل المدن والناس والأمكنة قبل أن تبتلعها يد النسيان.
نشأ في الموصل القديمة، المدينة التي كانت وما تزال واحدة من أهم الحواضر الثقافية في العراق، بما حملته من تنوع ديني وحضاري وإنساني. وفي أزقتها وأسواقها وكنائسها ومدارسها تشكل وعيه الأول، فشبّ محباً للعلم والقراءة، متأثراً بذلك المناخ الثقافي الذي عُرفت به الموصل عبر تاريخها الطويل.
تلقى تعليمه في مدارس المدينة، ثم التحق بمعهد المعلمين، وهو الاختيار الذي يكشف مبكراً عن ميوله التربوية والإنسانية. فقد آمن منذ شبابه بأن التعليم رسالة تتجاوز حدود الوظيفة، وأن المعلم الحقيقي يساهم في بناء الإنسان قبل أن ينقل إليه المعرفة. ولهذا دخل ميدان التعليم بكل شغف، فعمل معلماً ثم مديراً لمدرسة شمعون الصفا، تلك المدرسة التي ارتبط اسمها بتاريخ التعليم المسيحي والوطني في الموصل، وظل فيها حتى سنة 1972.
وخلال سنوات عمله التربوي، لم يكن مجرد إداري أو مدرس يؤدي واجباته اليومية، بل كان مربياً يحمل هماً ثقافياً وتاريخياً، يسعى إلى غرس حب المعرفة والهوية في نفوس طلبته. وقد عُرف بين زملائه وتلاميذه بدماثة خلقه وهدوئه وحرصه على تشجيع القراءة والبحث، حتى أصبح واحداً من الوجوه التربوية المعروفة في المدينة.
وفي سنة 1975 انتقل إلى أربيل ليعمل مشرفاً تربوياً، مواصلاً رسالته في خدمة التعليم، قبل أن يعود لاحقاً إلى الموصل ليكمل عمله في التدريس حتى إحالته إلى التقاعد سنة 1982. غير أن التقاعد بالنسبة إليه لم يكن نهاية العطاء، بل بداية مرحلة أكثر اتساعاً في الكتابة والتوثيق والبحث التاريخي.
فقد كان بهنام حبّابة عاشقاً للتاريخ، لا سيما تاريخ الموصل وتراثها الكنسي والاجتماعي. وكان يشعر أن كثيراً من التفاصيل الإنسانية والحضارية مهددة بالضياع، فكرّس جانباً كبيراً من حياته لتوثيقها وحفظها للأجيال. وقد انتمى إلى عدد من الاتحادات الأدبية والتاريخية، وشارك في الحياة الثقافية العراقية عبر مقالات وأبحاث نشرتها الصحف والمجلات المتخصصة.
ولم يكن اهتمامه بالتاريخ اهتماماً أكاديمياً بارداً، بل كان نابضاً بالعاطفة والانتماء، فهو يكتب عن الأمكنة والناس كما لو أنه يستعيد أجزاءً من ذاكرته الشخصية. ولذلك جاءت مؤلفاته مفعمة بروح الموصل، مدينةً وتاريخاً ومجتمعاً.

ومن أبرز كتبه “مدرسة شمعون الصفا في التاريخ”، الذي لم يكن مجرد توثيق لمؤسسة تعليمية، بل نافذة على تاريخ التعليم والحياة الاجتماعية والثقافية في الموصل. كما ألّف كتاب “الأسر المسيحية في الموصل”، الذي حفظ فيه جانباً مهماً من الذاكرة الاجتماعية للمدينة، موثقاً أسماء العائلات وأدوارها في الحياة الثقافية والوطنية والاقتصادية. أما كتابه “الآباء الدومنيكان في الموصل” فقد تناول فيه الدور العلمي والثقافي لهذه البعثة الدينية التي أسهمت في تطوير التعليم والطباعة والنشاط الفكري في المدينة.
وإلى جانب اهتمامه بالتاريخ، كانت له تجربة أدبية أيضاً، إذ كتب المسرحية المعروفة “مصرع أدي شير”، مستلهماً فيها شخصية المطران والمؤرخ الشهير أدي شير، في دلالة على انشغاله العميق بتاريخ الكنيسة والثقافة السريانية والعراقية عموماً.
وكان بهنام حبّابة قارئاً نهماً، يرى في الكتاب رفيقاً دائماً لا يغادره. وقد عرفه كل من اقترب منه بوصفه مثالاً للمثقف الهادئ المتواضع، الذي يفضل العمل الصامت على الأضواء. كما عُرف بخلقه الرفيع ومحبة الناس له، إذ جمع في شخصيته بين المربي والمؤرخ والشمّاس، فكان قريباً من الثقافة والروحانية والإنسان معاً.
وزار خلال حياته عدداً من البلدان، باحثاً ومطلعاً على تجارب وثقافات مختلفة، لكن الموصل بقيت حاضرة في قلبه وكتاباته أينما ذهب. وكانت المدينة بالنسبة إليه أكثر من مكان؛ كانت ذاكرة وهوية وروحاً تستحق أن تُصان بالكلمة والتوثيق.
وفي الثالث عشر من آب سنة 2024، رحل بهنام سليم حبّابة في أربيل عن عمر ناهز سبعة وتسعين عاماً، بعد حياة طويلة حافلة بالعطاء الثقافي والتربوي والإنساني. وقد نعت وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية رحيله بكلمات مؤثرة، مؤكدة أنه كان واحداً من المثقفين الحقيقيين الذين أغنوا المكتبة العراقية ببحوثهم وكتبهم ومقالاتهم، وأسهموا في صون الذاكرة الوطنية.
وبرحيله فقدت الموصل واحداً من أوفى أبنائها لذاكرتها، رجلاً عاش عمره بين الكتب والمخطوطات والوثائق، يفتش عن الحكايات المنسية ويعيدها إلى الحياة. لكنه ترك وراءه إرثاً كبيراً من المؤلفات والشهادات والكتابات التي ستبقى شاهدة على جهده ومحبة قلبه لمدينته ووطنه.
وهكذا بقي اسم بهنام سليم حبّابة مرتبطاً بصورة المثقف العراقي الأصيل، الذي أدرك أن مهمة المؤرخ ليست تسجيل الأحداث فقط، بل حماية روح المكان من الضياع، وحفظ ذاكرة الناس للأجيال القادمة.