متابعة ـ التآخي
تضع مدن كثيرة أهدافا لزيادة الغطاء الشجري لمواجهة ارتفاع درجات الحرارة، لكن تحديد نسبة عامة للغطاء الشجري لا يجيب عن سؤال أكثر أهمية: أين يجب زراعة الأشجار تحديدا حتى تحقق أكبر فائدة ممكنة؟
فليست كل مناطق الظل متساوية في قيمتها، كما أن بعض الأحياء لا تملك مساحة كافية لإضافة المزيد من الأشجار.
وتقدم دراستان جديدتان لباحثين من جامعة بريتيش كولومبيا (UBC) نهجا أكثر دقة، إذ طوّر الباحثون أداتين يمكنهما تحديد بؤر الحرارة في المدن حتى مستوى الكتل السكنية، ثم تحديد الأماكن التي يمكن أن تحقق فيها زراعة الأشجار أكبر فائدة ممكنة.واختُبرت الأداتان في مدينة كيلونا بمقاطعة بريتيش كولومبيا الكندية، ويمكن تكييف المنهجيتين واستخدامهما في مدن أخرى بالاعتماد على بيانات محلية.
وتقول الدكتورة ميليسا ماكهيل، الأستاذة في كلية الغابات والإشراف البيئي بجامعة بريتيش كولومبيا والمؤلفة الرئيسة للدراستين، إن المدن تعرف غالبا أنها بحاجة إلى مزيد من الغطاء الشجري، لكنها ما تزال بحاجة إلى تحديد الأماكن التي يمكن فيها زراعة الأشجار فعليا، والمواقع التي سيحدث فيها الظل أكبر فارق في مواجهة الحرارة.
وأضافت أن الجمع بين المنهجيتين ينقل التخطيط من الأهداف العامة على مستوى المدينة إلى قرارات أكثر دقة على مستوى الشوارع والأحياء التي يعيش فيها السكان ويختبرون الحرارة فعليا.
تعطي خرائط الحرارة التي توفرها الأقمار الصناعية المدن رؤية واسعة لدرجات حرارة الأسطح، لكنها لا توفر دائما التفاصيل المطلوبة للتخطيط على مستوى كل كتلة أو شارع. فصور الأقمار الصناعية التقليدية التي تعتمد على وحدات بكسل يبلغ حجمها 30 مترا قد تدمج درجات حرارة الأسطح المختلفة، مثل أسطح المباني والأسفلت والمروج والغطاء الشجري، في متوسط واحد. وهذا يعني أن منطقة ساخنة صغيرة يمكن أن تختفي داخل متوسط حراري لمساحة أكبر.
وفي الدراسة الأولى، التي نُشرت في دورية Remote Sensing، اختبر باحثو جامعة بريتيش كولومبيا تقنية مفتوحة المصدر تعتمد على التعلم الآلي لتحسين دقة الصور الملتقطة بواسطة القمرين الصناعيين LandsatوSentinel-2، ورفع دقتها المكانية من 30 مترا إلى 10 أمتار.
وأظهرت الخرائط الأعلى دقة نحو خمسة أضعاف مقدار التباين الحراري الذي أمكن رصده باستخدام الخرائط التقليدية.
عند استخدام صور بدقة 30 مترا، ظهرت بؤر الحرارة على شكل مناطق واسعة يبلغ متوسط مساحتها نحو 18 ألف متر مربع، أي ما يعادل نحو 4.4 فدان، أو ما يقارب مساحة ملعبين ونصف من ملاعب كرة القدم الكندية.
لكن استخدام الدقة الأعلى البالغة 10 أمتار مكّن الباحثين من اكتشاف بؤر حرارية أصغر بكثير، وصلت في بعض الحالات إلى نحو 700 متر مربع وهي مساحة تقارب مساحة قطعة أرض سكنية كبيرة. وأظهرت النتائج أن عناصر المشهد الحضري، وعلى رأسها الغطاء الشجري والأسطح المرصوفة، فسرت أكثر من 65% من التفاصيل الحرارية الإضافية التي ظهرت مع رفع دقة الخرائط.
ويرى الباحثون أن هذه النتيجة تشير إلى أن التقنية لم تكن تضيف مجرد ضوضاء رقمية، وإنما كانت تكشف فروقا حقيقية مرتبطة بخصائص المشهد الحضري. ومع ذلك، يشدد الباحثون على أن درجة حرارة سطح الأرض ليست الشيء نفسه مثل درجة حرارة الهواء التي يشعر بها الإنسان، لكن الأداة المجانية والمفتوحة المصدر يمكن أن تساعد المدن على اكتشاف بؤر حرارية صغيرة قد لا تظهر في الخرائط التقليدية.
معرفة الأماكن الأكثر حرارة تمثل نصف المشكلة فقط، فالمدن تحتاج أيضا إلى معرفة الأماكن التي يمكن فيها زراعة الأشجار بصورة واقعية، والأماكن التي سيؤدي فيها الغطاء الشجري إلى توفير ظل مفيد للسكان.
وفي الدراسة الثانية، المنشورة في دورية Urban Forestry & Urban Greening، استخدم الفريق انموذجا يحمل اسم CanopyFit لتحديد إمكانات زراعة الأشجار داخل المدينة.وطوّر النموذج فريق ماكهيل بالتعاون مع مختبر علم البيئة الحضرية والاستدامة وشركائها من الجهات البلدية.
ويستبعد النموذج المناطق غير المناسبة لزراعة الأشجار، مثل، المبانيوالملاعب والمنشآت الرياضية ومناطقالمرافق والخدمات الواقعة تحت الأرضومناطق الحماية من حرائق الغابات و النظم البيئية الحساسة بيئيا، بعد ذلك، يقارن النموذج بين إمكانات توفير الظل ودرجة التعرض للحرارة، إلى جانب الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية للمناطق المختلفة.
على مستوى مدينة كيلونا، حدد النموذج مساحة تصل إلى 248 هكتارا، أي نحو 610 أفدنة يمكن أن تستوعب غطاء شجريا ناضجا جديدا.لكن هذه الفرص لم تكن موزعة بالتساوي على المدينة، فقد أظهرت النتائج أن 20% فقط من المنطقة التي جرى تحليلها كانت تمثل أكثر من نصف، أو 50.8%، من إجمالي مكاسب الظل المحتملة.
وهذا يعني أن توجيه جهود التشجير بطريقة استراتيجية قد يحقق نتائج أكبر من توزيع الأشجار بصورة متساوية على مختلف مناطق المدينة.
وكشفت الخريطة أيضا عن اختلاف كبير بين الأحياء، فهناك مناطق وصفها الباحثون بأنها مناطق “مكسب للطرفين”، حيث تتزامن درجات الحرارة المرتفعة والحاجة إلى تحسين العدالة البيئية والاجتماعية مع تواجد مساحة كافية لزراعة الأشجار.
وفي مثل هذه المناطق، يمكن أن تحقق زراعة المزيد من الأشجار فوائد كبيرة، لأنها تستهدف الحرارة والاحتياج الاجتماعي في الوقت نفسه.
لكن مناطق أخرى تعاني أيضا من ارتفاع الحرارة واحتياجات أكبر، ولا تملك في المقابل مساحة كافية لزراعة أشجار جديدة.
وفي هذه الحالات، قد تكون الحلول الأخرى أكثر قابلية للتطبيق، مثل إزالة أجزاء من الأسفلت، وتغيير قواعد التطوير والبناء، أو استغلال وسائل ظل هندسية بدل الاعتماد على الأشجار وحدها.