تزرين يعقوب سولا
أصبحت بعض مدارسنا، للأسف، أماكن يذهب إليها الطالب لأنه مضطر، لا لأنه يرغب في التعلم.
وهذه الحقيقة تفرض علينا مجموعة من الأسئلة التي لا ينبغي أن نهرب منها: لماذا لم تعد المدرسة بيئة جاذبة؟
لماذا لا نخرّج باحثين؟
لماذا يضعف التفكير النقدي لدى الطلبة؟
ولماذا نعجز عن اكتشاف المواهب وتنميتها؟
المشكلة لا تكمن في الطالب وحده، بل في فلسفة التعليم نفسها.
حين تتحول المدرسة إلى مكان يقوم فيه المعلم بالكلام، والطالب بالاستماع، والكتاب بالحفظ، والامتحان باسترجاع المعلومات، يصبح التعليم عملية نقل للمعلومات أكثر من كونه بناءً للعقل. فالطالب الذي يُكافأ على حفظ الإجابة الصحيحة، ولا يُمنح مساحة كافية للسؤال والمناقشة والتجربة، لن يتعلم بسهولة كيف يفكر، بل كيف يبحث عن الإجابة التي يريدها الامتحان.
وهنا تظهر مشكلة التفكير النقدي. التفكير النقدي لا يولد من الحفظ، وإنما ينمو عندما يُسمح للطالب أن يسأل: لماذا؟ وكيف؟
وهل هناك تفسير آخر؟
وما الدليل؟
وأن يختلف مع معلمه بأدب، ويقدم حجته، ويعيد النظر في أفكاره عندما يكتشف خطأها.
أما الباحث، فلا تصنعه الجامعة وحدها, بل تبدأ صناعة الباحث من المدرسة. الطالب الذي لم يتعلم منذ الصغر كيف يلاحظ، ويسأل، ويبحث، ويقارن، ويجرب، ويستنتج، سيجد صعوبة في أن يصبح باحثاً مستقلاً في المستقبل.
والمفارقة أن مدارسنا قد تكون مليئة بالطلاب الذين يمتلكون قدرات مختلفة، لكننا كثيراً ما نبحث عن الطالب المتفوق وفق معيار واحد، وننسى أن الموهبة ليست دائماً درجة عالية في الامتحان.
قد يكون أحد الطلاب موهوباً في الرسم، وآخر في الموسيقى،
وثالث في الرياضيات، ورابع في الخطابة، وخامس في التكنولوجيا، وسادس يمتلك قدرة استثنائية على القيادة أو حل المشكلات.
و عندما لا تمتلك المدرسة أدوات حقيقية لاكتشاف هذه القدرات، فإن الكثير من المواهب ستبقى مجهولة.
إن المدرسة الجاذبة ليست المدرسة التي تكثر فيها الزينة والشعارات، وإنما المدرسة التي يشعر فيها الطالب أن صوته مسموع، وسؤاله محترم، وخطؤه فرصة للتعلم، وموهبته لها مكان.
وهذا يتطلب تغييراً في دور المعلم أيضاً. فالمعلم في التعليم الحديث ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل ميسّر للتعلم، ومكتشف للقدرات، ومحفز على السؤال والبحث.
كما يتطلب أيظا تطويراً للمناهج بحيث تتضمن المشروعات، والتجارب، والبحث، والحوار، والعمل الجماعي، بدلاً من الاقتصار على التلقين والاستعداد للامتحان.
وإيجاد ثقافة مدرسية جديدة تجعل البحث جزءاً من الحياة اليومية، والتفكير عادة، والاختلاف فرصة للتعلم، والمواهب مسؤولية تربوية.
وأن الفجوة التي يمكن أن تحدث في التعليم ليس أن ينسى الطالب معلومة، وإنما أن يتخرج وهو لا يعرف كيف يسأل، و يبحث، ويفكر،
ولا يعرف ما الذي يستطيع أن يبدع فيه.
فالمدرسة التي تخيف الطالب من الخطأ، ستقتل فيه روح التجربة. والمدرسة التي تمنع السؤال، ستضعف فيه روح البحث. والمدرسة التي تقيس الجميع بمقياس واحد، قد تخسر مواهب لا تتكرر.
لذلك، فإن إصلاح التعليم لا يبدأ فقط من الامتحان أو المنهج.
ولا من مدرسةً تصنع طالباً يحفظ ما قيل له، بل إنساناً يستطيع أن يفكر فيما لم يُقل له؟
هنا تحديداً يبدأ التعليم الحقيقي.