فرج بصمه جي.. حارس ذاكرة العراق الأثرية

محمد علي محيي الدين

الدكتور فرج بصمه جي (1915-1987) واحد من أبرز علماء الآثار والمؤرخين العراقيين الذين كرّسوا حياتهم لصون تراث بلاد الرافدين ودراسة حضاراتها العريقة. فقد جمع بين البحث الأكاديمي والعمل الميداني والإدارة المتحفية، ليترك بصمة راسخة في مسيرة علم الآثار العراقي خلال القرن العشرين، ويغدو اسمه مرادفاً للجهود العلمية التي أسهمت في توثيق كنوز العراق الحضارية وحمايتها.

وُلد بصمه جي في بغداد عام 1915، وتلقى تعليمه الأول فيها، فأكمل الدراسة الابتدائية سنة 1928، ثم واصل دراسته في الإعدادية المركزية حتى تخرجه عام 1934. ولم يلبث أن التحق بدائرة الآثار العراقية، في وقت كانت فيه الحركة الأثرية في العراق تشهد بدايات تأسيسها الحديثة، الأمر الذي أتاح له الاحتكاك المباشر بالمواقع التاريخية وبالخبرات العلمية التي كانت تعمل آنذاك في البلاد.

ولإعداد كوادر عراقية متخصصة، أُوفد إلى سويسرا لاستكمال دراسته الجامعية في جامعة زيورخ، فنال شهادة البكالوريوس عام 1939، ثم الدكتوراه عام 1949 عن أطروحته الموسومة «المشاهد الطبيعية في نقوش سومر القديمة للألفين الثالث والرابع قبل الميلاد»، وهي دراسة عكست اهتمامه بالربط بين الفن السومري والبيئة الطبيعية، وقدمت قراءة علمية للنقوش بوصفها وثائق حضارية تتجاوز بعدها الفني.

بعد عودته إلى العراق، انخرط في العمل الأكاديمي مدرساً للتاريخ في كلية الآداب، بالتوازي مع مسؤولياته في المتحف العراقي، حيث شغل منصب معاون أمين المتحف، ثم أصبح أميناً للمتحف العراقي، وهو المنصب الذي أتاح له الإشراف على واحدة من أغنى المجموعات الأثرية في العالم. وقد واصل أداء مهامه حتى أُحيل إلى التقاعد عام 1969 لأسباب صحية، إلا أن أثره العلمي والإداري بقي حاضراً في المؤسسة الأثرية العراقية.

ولم تقتصر إسهاماته على الإدارة أو التدريس، بل شارك في أعمال التنقيب الأثري في عدد من أهم مواقع العراق التاريخية، منها أوروك، وأريدو، ونيبور، وسامراء، وكلخ، والحضر، وهي مواقع تمثل حلقات أساسية في تاريخ الحضارات السومرية والبابلية والآشورية والإسلامية. وقد أسهمت مشاركاته في الكشف عن معالم جديدة، وفي توثيق نتائج الحفريات وفق المعايير العلمية التي كانت تتطور آنذاك، مما جعله أحد الوجوه المعروفة في الأوساط الأثرية العراقية والدولية.

كما ترك فرج بصمه جي إرثاً علمياً مهماً تمثل في عدد من المؤلفات التي أصبحت مراجع للباحثين والدارسين، وفي مقدمتها «دليل المتحف العراقي» (1960)، وكتاب «نفر» (1960)، وكتابه الشهير «كنوز المتحف العراقي» الصادر عام 1972، الذي يُعد من أهم المراجع الخاصة بمقتنيات المتحف العراقي، إذ وثّق آثار حضارات بلاد الرافدين بأسلوب علمي دقيق، فصار مرجعاً أساسياً للباحثين في تاريخ العراق القديم. كما نُشر له كتاب «الأختام الأسطوانية في المتحف العراقي»، فضلاً عن عشرات الدراسات والمقالات التي احتضنتها مجلة «سومر»، المجلة العراقية الرائدة في الدراسات الأثرية.

وتبرز أهمية بصمه جي في كونه مثّل جيلاً من العلماء العراقيين الذين انتقلوا بعلم الآثار من مرحلة الاعتماد على البعثات الأجنبية إلى بناء خبرة وطنية قادرة على إدارة التنقيب والبحث والتوثيق. فقد أسهم، مع زملائه من الرواد، في ترسيخ تقاليد البحث الأثري الأكاديمي، وربط نتائج الحفريات بالدراسات التاريخية والحضارية، بما عزز مكانة المدرسة العراقية في هذا الحقل العلمي.

توفي الدكتور فرج بصمه جي عام 1987، بعد مسيرة امتدت لأكثر من خمسة عقود في خدمة التراث العراقي. غير أن ما خلفه من مؤلفات، وما شارك فيه من حفريات، وما أسهم به في تطوير المتحف العراقي، بقي شاهداً على عالم آمن بأن حماية آثار العراق ليست مجرد حفظٍ للماضي، بل صيانةٌ لهوية أمة تمتد جذورها إلى أقدم الحضارات الإنسانية.

وقد استندت المعلومات الخاصة بسيرته وإنجازاته إلى ما أورده الباحث سرور ميرزا في دراسته «أشهر علماء الآثار والمنقبين الأجانب والعراقيين في مواقع الاستكشاف لبلاد الرافدين» (الجزء الثاني)، المنشورة في موقع كاردينيا بتاريخ 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، إلى جانب ما هو متداول في الأدبيات الأثرية العراقية عن مسيرة هذا العالم البارز.

قد يعجبك ايضا
∧