محمد علي محيي الدين
يوسف غنيمة، البطريرك الكلداني السابع، عالم وكاتب ورجل دين، ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من تاريخ الكنيسة الكلدانية في العراق، ولا سيما في السنوات التي انتقل فيها مركز الثقل الكنسي من الموصل إلى بغداد. ولم يكن حضوره مقتصراً على العمل الرعوي، فقد ترك مؤلفات ومنشورات بالعربية والكلدانية، وأسهم في متابعة شؤون التعليم الكهنوتي، كما شارك في الحياة العامة من خلال عضويته في مجلس الأعيان العراقي.
ولد يوسف بن عبد الواحد بن أنطوان بن عبد الأحد آل غنيمة في الموصل في 29 كانون الثاني 1881، وينحدر من أسرة تعود أصولها إلى كرمليس. نشأ في بيئة دينية وثقافية جعلت من التعليم الكنسي طريقاً طبيعياً لتكوين شخصيته، فالتحق بمعهد مار يوحنا الحبيب في الموصل، حيث تلقى مبادئ التعليم المسيحي، ثم واصل دراسته اللاهوتية، لتتبلور لديه منذ وقت مبكر شخصية رجل الدين الذي سيجمع لاحقاً بين الكهنوت والتأليف والعمل العام.

رُسم كاهناً في 15 أيار 1904، وبدأ خدمته في الحياة الكنسية في زمن كانت فيه الموصل مركزاً مهماً للكنيسة الكلدانية ومؤسساتها التعليمية. وبعد أكثر من عقدين من العمل الكهنوتي، أقامه البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني توما أسقفاً في 10 أيار 1925، ليبدأ مرحلة جديدة اتسعت فيها مسؤولياته وأصبح واحداً من الشخصيات البارزة في قيادة الكنيسة.
وفي 17 أيلول 1947 اختاره الأساقفة لتولي البطريركية، فاحتُفل بتنصيبه في الموصل في 26 أيلول من العام نفسه، خلفاً للبطريرك يوسف عمانوئيل الثاني توما. ولم تكن مهمته سهلة؛ فقد تولى المسؤولية في مرحلة كان العراق فيها يعيش تحولات سياسية واجتماعية عميقة، وكانت الكنيسة الكلدانية بدورها أمام حاجات متزايدة تتصل بالتعليم وتنظيم المؤسسات والرعاية الدينية.
ومن أبرز الخطوات التي ارتبطت بعهد يوسف غنيمة نقل كرسي البطريركية من الموصل إلى بغداد. ولم يكن الانتقال مجرد تغيير جغرافي، بل كان يعكس التحول الذي أخذت بغداد تمثله بوصفها مركز الدولة العراقية ومؤسساتها السياسية والإدارية. وقد سعى البطريرك إلى ترسيخ حضور الكنيسة في العاصمة، فارتبط اسمه بإنشاء كنيسة مار يوسف في الخربندة بحي الكرادة، التي شُيدت سنة 1956، وأصبحت لاحقاً المكان الذي دُفن فيه بعد وفاته.
كان يوسف غنيمة معنياً كذلك بالتعليم الكنسي وتكوين رجال الدين، وتظهر منشوراته ورسائله الرعائية اهتماماً واضحاً بهذا الجانب. فقد أصدر رسائل تناولت المدرسة الكهنوتية، إلى جانب منشورات بطريركية بالعربية والكلدانية، بعضها ارتبط بالمناسبات الدينية، وبعضها تناول شؤون الكنيسة ورعايتها. ويكشف هذا الإنتاج عن رجل رأى في الكتابة وسيلة لتنظيم الخطاب الديني والتواصل مع أبناء الكنيسة، وليس مجرد نشاط أدبي منفصل عن مسؤوليته الكنسية.
وقد كتب بالعربية والكلدانية، وكان يثبت في مؤلفاته الكلدانية اسمه بصيغة «يوسف غنيمة البطريرك الكلداني»، وهي صيغة تكشف عن وعيه بأهمية اللغة في حفظ الهوية الكنسية والثقافية. ومن بين ما طبع له «منشور بطريركي» بالعربية والكلدانية سنة 1948، و«رسالة بطريركية» سنة 1949، و«رسالة رعائية حول المدرسة الكهنوتية» في العام نفسه، ثم منشورات بطريركية أخرى في 1950، بينها منشور خاص بمناسبة الصوم الكبير باللغة الكلدانية، إضافة إلى «رسالة رعائية» سنة 1951، كما تذكر موسوعة المطبعي.
وتكشف هذه العناوين، رغم طابعها الكنسي، عن اهتمام يتجاوز المواعظ والمناسبات إلى قضايا المؤسسة نفسها، وفي مقدمتها إعداد الكهنة وتنظيم الحياة الرعوية والحفاظ على الصلة بين الكنيسة وأبنائها. فالكتابة عنده كانت امتداداً للخدمة، وكانت الرسالة البطريركية وسيلة لتوجيه الجماعة وإبقاء صوت القيادة الدينية حاضراً في تفاصيل حياتها.
ولم يكن البطريرك يوسف غنيمة بعيداً عن الحياة العامة في العراق، فقد عُيّن سنة 1951 عضواً في مجلس الأعيان العراقي ممثلاً للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، خلفاً للبطريرك يوسف عمانوئيل الثاني توما الذي كان قد شغل المقعد نفسه منذ تأسيس المجلس سنة 1925 حتى وفاته سنة 1947. وكان وجوده في مجلس الأعيان امتداداً لتقليد حضور رجال الدين والشخصيات الدينية في المؤسسات الدستورية العراقية خلال العهد الملكي، كما عكس المكانة التي كانت تتمتع بها الكنيسة في الحياة العامة.
وقد استمر يوسف غنيمة في موقعه البطريركي حتى وفاته في بغداد في 8 تموز 1958. ودُفن في كنيسة مار يوسف في الخربندة، وهي الكنيسة التي ارتبط إنشاؤها بجهوده وسعيه إلى إيجاد حضور كنسي أكثر رسوخاً في العاصمة. وهكذا اكتملت دائرة حياته بين الموصل التي شهدت مولده وبداياته الكهنوتية، وبغداد التي أصبحت مركز عمله في سنواته الأخيرة ومثواه الأخير.
تكتسب سيرة يوسف السابع غنيمة أهميتها من كونها تقع عند مفترق بين مرحلتين في تاريخ الكنيسة الكلدانية والعراق معاً: مرحلة الموصل بوصفها مركزاً تاريخياً للحياة الكنسية، ومرحلة بغداد التي أخذت تتقدم بوصفها مركز الدولة والمجتمع الحديث. وبين المدينتين تحركت تجربته، حاملاً معه تقاليد المؤسسة الكنسية، ومشاركاً في إعادة تنظيم حضورها في العاصمة، ومستخدماً الكتابة والتعليم والعمل العام أدوات للحفاظ على استمراريتها.
لقد كان يوسف غنيمة رجل كنيسة وكاتباً وممثلاً لجماعته في الحياة العامة، ولذلك لا تختزل تجربته في سنوات البطريركية وحدها. فالمناصب التي شغلها، والمنشورات التي تركها، والاهتمام الذي أولاه للمدرسة الكهنوتية، ثم انتقال كرسي البطريركية إلى بغداد، كلها تشكل حلقات في سيرة رجل عاش في زمن كانت فيه الكنيسة العراقية تعيد ترتيب حضورها داخل دولة حديثة التكوين. ومن هنا بقي اسمه جزءاً من تاريخ الكنيسة الكلدانية في العراق، وواحداً من رجالها الذين أسهموا في وصل ماضيها العريق بتحولات القرن العشرين.
اعتمدت هذه الصياغة على المعلومات الواردة في موسوعة المطبعي بشأن مولده ودراسته وتدرجه الكهنوتي ومؤلفاته ومنشوراته بالعربية والكلدانية، وعلى ما ورد في الموسوعة الحرة عن انتخابه بطريركاً سنة 1947، ونقل كرسي البطريركية من الموصل إلى بغداد، وإنشاء كنيسة مار يوسف في الخربندة، وعضويته في مجلس الأعيان العراقي سنة 1951، ووفاته سنة 1958.