الكاتب جمال الشرقي
عندما نستذكر المذيع الراحل حافظ القباني فإننا لا نستذكر مذيعا فقط وإنما نستذكر استاذا للمذيعين واستاذا للعاملين أيضا.
القباني رغم انه من مجموعة المذيعين القدماء جدا وسبق الكثيرين لكنه حمل الكثير من المواصفات والامكانيات، فهو استاذ محاضر وهو مؤلف للكثير من الدراسات وهو صحفي متمكن، بل وكان مذيع المناسبات الرسمية الكبرى في البلاد.. اقام الكثير من المحاضرات في علم الاذاعة والتلفزيون وكنت واحدا ممن تلقوا الكثير من الدروس على يده في معهد التدريب الاذاعي والتلفزيون في حياته …
حافظ القباني كبير المذيعين
منذ ان كنا منتسبين للإذاعة والتلفزيون وحتى الآن نقرأ ونسمع الكثير من التسميات تم اطلاقها على بعض المذيعين فلقد لقب الراحل غازي فيصل بشيخ المذيعين ولقب نهاد نجيب رحمة الله على روحه بشيخ المذيعين ولقب راحلنا حافظ القباني ومحمد علي كريم بكبير المذيعين ولقب اخرين بتسميات وصفات كثيرة منها لقب ايقونة الاذاعة وهذا ما سميت به المذيعة القديرة امل المدرس، فمن اين جاءت تلك التسميات ولماذا اطلقت على بعضهم ؟

هو ما تؤكده مسيرتهم الطويلة ومستوى ابداعاتهم في الصوت واللغة والثقافة والمواقف وحرصهم الشديد على تقديم ما يعجب المشاهد والسامع اضافة الى توليهم المناصب وكل هذا وغيره من القناعات جعلت المنتسبين وربما يشاركهم المشاهد والسامع والقاريء وكان من بينهم ومن ابرزهم الاستاذ الراحل القباني كبير المذيعين .
السيرة والبدايات
حافظ أحمد القباني، مذيع وصحفي واعلامي عراقي، اشتهر بعنوان كبير المذيعين، ولد في بغداد عام 1926م، من عائلة بغدادية كانت تسكن منطقة المربعة في شارع الرشيد وتمتهن مهنة القبانة ومنها اكتسب اللقب، وأكمل دراسته الابتدائية والثانوية في مدارس بغداد، وسافر إلى الإتحاد السوفيتي وحصل على شهادة ماجستير في القانون في أوائل عقد الستينات من القرن العشرين.0 مارس مهنة الصحافة مبكراً فعمل كرئيس تحرير لعدد من الصحف العراقية ومنها صحيفة الشعب، وصحيفة النديم، وصحيفة البلاد، وصحيفة الشرق.. وكان رياضياً مشهوراً وحصل على الجائزة الأولى في الفروسية. ولقد اقترن اسمه بالإعلامية العراقية أمل القباني التي رافقته وساندته ووقفت معهُ في سنواتهِ الأخيرة بعد أن فقد بصره، وساعدته على تأليف كتاب عن تجربتهِ في العمل بالتلفزيون بعنوان (التجربة العائمة، تحليل وذكريات)، توفى حافظ القباني في بغداد عام 2004م.
كثيرا ما أكدنا في العديد من المقابلات والمحاضرات ان المذيع سيبقى مذيعا قارئا لنشرة الاخبار فقط إذا ما بقي على حاله دون تطوير لنفسه من حيث الثقافة العامة والقدرة على الحوار الاعلامي الناحج والاعتماد على نفسه في اقامة الحوارات التلقائية واعداد البرامج المختلفة وتقديم المحاضرات المختلفة في مجال اللغة والصوت والاداء والثقافة العامة.
أما المذيع الذي امتلك المواصفات المذكرة فقد وصل الى مراحل الشهرة وتبوء المسؤوليات الكبيرة ولنا شواهد كثيرة في هذا المجال فمنهم من صار مديرا عاما ومديرا لمؤسسة وكاتبا وصحفيا واديبا ومقدما جيدا للبرامج وهذا ما وجدناها في راحلنا القباني الذي طور نفسه فكان مذيعا متمكنا وصحفيا واديبا تشهد له الصحافة والاعلام بالكثير من المحاضرات وتأليف الدراسات الاعلامية فالقباني مثلا عمل مبكرا في مجال الصحافة وترأس تحرير بعض من الصحف العراقية كصحيفة الشعب، وصحيفة الشرق، وصحيفة النديم، وصحيفة البلاد. وكان متزوجا من مذيعة قديرة وإعلامية كفاءة هي الدكتورة الراحلة امل القباني التي كانت رفيقة له في حياته وخاصة عندما فقد بصره بل وساعدته في اتمام وانجاز مؤلفاته وكتاباته الصحفية والادبية فكانت خير معين له رحمة الله على روحها الطيبة.
القباني كاتبا وصحفيا وإعلاميا
شهدت له صحف العراق انذاك نشر العديد من المقالات والحوارات الصحفية وكان من أوائل مقالاته المنشورة في مجلة رسائل اخوان الصفا التي كان يصدرها ويشرف عليها الراحل الخطاط العراقي الكبير قاسم الخطاط في الأربعينيات، كما شهدت له الصحف المصرية مقالات اخرى عن فيلم القاهرة بغداد.

أما عن عمله معنا في دائرة الاذاعة والتلفزيون فقد انتسب الى الدائرة سنة 46 وقيل انه انتسب الى الاذاعة والتلفزيون اولا كممثل في فرقة القباني ثم عمل مع الممثل الكبير الراحل خليل شوقي .
وفي سنة 48 عمل في الإذاعة مذيعاً ولم يبق على عمله كمذيع لنشرات الاخبار بل قدم العديد من البرامج كما اخرجها ولما استمر لفترات طويلة وتمكن من ادواته جيدا اتصل ببعض الاذاعات العربية كإذاعة القدس وصوت العرب والشرق الادنى وعمل على استخدام الهاتف الارضي في اجراء حواراته مع المثقفين والمتميزين وعلى الهواء وبدون تسجيل مسبق .
القباني معدا ومقدما للبرامج
لم اكن منتسبا لدائرة الاذاعة والتلفزيون عام 48 لأشهد ما كان القباني يقدمه ويعده من برامج لكنني كواحد من المنسبين الذين خضعوا الى دورات اذاعية والى محاضرات لراحلنا الذي كان يحدثنا عن عمله في ستينيات القرن الماضي فيقول انه عمل في تلفزيون العراق واعد وقدم بعض البرامج منها برنامج سؤال وأغنية، وبرنامج صح المثل، وبرنامج 10 دقائق وبرنامج القصخون.. ولانه كان متميزا في قدراته الاذاعية والتلفزيونية والثقافية لذا جلب انتباه المسؤولين آنذاك ليكلف بمنصب مهم وهو مهمة تأسيس معهد التدريب الإذاعي في بغداد آنذاك ، واشرف في حينها على المناهج الدراسية والدورات الاذاعية في المعهد.. ولكونه يحمل شهادة الماجستير فقد تولى تقديم محاضرات عن العمل الإذاعي في كلية الآداب، وفي كلية الفنون الجميلة كما عمل في اذاعات خارجية ومنها اذاعة باكو في اذربيجان والّف العديد من الكتب الخاصة بالاعلام ومنها كتاب الريبورتاج الاذاعي والتجربة العائمة ثم توفي رحمة الله على روحه عام 2004 ليخلف من بعده ارثا ثقافيا وسيرة رائعة في الاعلام الملتزم..