الأستاذة الجامعية تصنع قدوتها قبل أن تصنع محاضرتها

م. م زيد محمد كاظم

لا تُقاس الأستاذة الجامعية بعدد المحاضرات التي ألقتها ولا بعدد البحوث التي كتبتها ولا بعدد السنوات التي قضتها خلف المنصة الجامعية فقط، فهناك شيء آخر أكثر عمقاً يبقى في ذاكرة الطلبة، شيء لا تسجله السجلات الأكاديمية ولا تظهره الشهادات، لكنه يعيش طويلاً في الذاكرة. إنها الأخلاق التي ترافق العلم، والإنسانية التي تسبق المعلومة، والقدرة على أن تكون الأستاذة حضوراً مطمئناً في حياة طلبتها قبل أن تكون اسماً في جدول المحاضرات. الأستاذة الجامعية الحقيقية لا تدخل قاعة الدرس محمّلة بالمعلومات وحدها، وإنما تدخلها بشخصيتها وتجربتها ومبادئها ونظرتها إلى الإنسان. وقد ينسى الطالب بعد سنوات تفاصيل محاضرة كاملة، لكنه لا ينسى أستاذة تعاملت معه باحترام، أو وقفت إلى جانبه في لحظة صعبة، أو منحته الثقة حين كان يبحث عنها، أو جعلته يشعر بأن الجامعة ليست مكاناً للامتحان فقط، بل مساحة يستطيع فيها أن ينمو ويتعلم ويكتشف نفسه.
ومن النماذج التي يمكن أن تستحضر في هذا السياق الأستاذة م. م. أنسام علي عبد المحسن، التدريسية في جامعة آشور، التي لم تكن تجربتها المهنية مجرد حضور أكاديمي في قاعات الجامعة، بل كانت تجربة إنسانية تركت أثراً واضحاً لدى الطلبة وكل من عرفها عن قرب. كانت أنسام واحدة من أولئك التدريسيات اللواتي يدركن أن الأستاذة الجامعية لا تُقاس بهيبة المنصب، وإنما بما تتركه من أثر. دخلت مسيرتها المهنية وهي تحمل معها إيماناً بأن التدريس مسؤولية قبل أن يكون وظيفة، وأن التعامل مع الطلبة ليس علاقة قائمة على السلطة الأكاديمية وحدها، وإنما علاقة إنسانية أساسها الاحترام والإنصاف والوضوح. ولم تكن الطريق أمامها خالية من الصعوبات. مثل كل مسيرة مهنية حقيقية، واجهت أنسام تحديات ومواقف لم تكن سهلة، واضطرت إلى أن تتعامل مع ظروف ومشكلات كان يمكن لها أن تدفع الإنسان إلى التراجع أو فقدان الحماس. لكنها اختارت طريقاً آخر؛ أن تستمر، وأن تحافظ على مبادئها، وأن تجعل من الصعوبة دافعاً لا سبباً للانكسار. كانت تعرف أن النجاح في البيئة الجامعية لا يأتي دائماً من دون ضريبة، وأن الإنسان عندما يثبت نفسه ويحافظ على نزاهته قد يجد حوله من لا يشاركه النجاح بالقدر نفسه من الفرح. وربما واجهت، مثل غيرها، نظرات الحسد أو محاولات التقليل من شأن ما حققته، لكنها لم تجعل ذلك يتحول إلى خصومة مع الآخرين، ولم تسمح له بأن يغير طبيعتها أو يدفعها إلى التخلي عن هدوئها.
وهنا تحديداً تكمن قيمة تجربتها.
فالإنسان يستطيع أن ينجح مهنياً، لكن الأصعب أن ينجح من دون أن يخسر إنسانيته. كانت أنسام تمتلك من المبادئ الأخلاقية والإنسانية ما جعلها قريبة من طلبتها. لم تكن تحاول أن تفرض محبتها عليهم، ولم تكن بحاجة إلى البحث عن الشعبية، لأن المحبة الحقيقية لا تُطلب وإنما تُكتسب. اكتسبت محبة كثير من الطلبة من خلال تعاملها معهم، ومن خلال احترامها لهم، ومن خلال الطريقة التي كانت تنظر بها إلى الطالب بوصفه إنساناً قبل أن يكون رقماً في قائمة أو اسماً في سجل. وكان وجهها البشوش جزءاً من حضورها اليومي. ابتسامتها لم تكن مجرد تفصيل في ملامحها، بل كانت جزءاً من شخصيتها التي جعلت من يلتقي بها يشعر بشيء من الطمأنينة. هناك أشخاص لا يحتاجون إلى الكلام كثيراً حتى يمنحوا الآخرين شعوراً بالأمان؛ يكفي أن تراهم حتى تشعر بأن الأمور يمكن أن تكون أفضل، وأن المكان الذي أنت فيه أقل قسوة مما يبدو.
كانت أنسام من هذا النوع.
وربما لهذا السبب بقي حضورها في ذاكرة الطلبة أكبر من حدود المحاضرة. فالأستاذة التي تدخل القاعة بوجه عابس وتخرج منها من دون أن تترك سوى المادة العلمية قد تؤدي واجبها الأكاديمي، لكن الأستاذة التي تدخل القاعة وتترك وراءها أثراً إنسانياً تصبح جزءاً من ذاكرة المكان.لقد استطاعت أن تجمع بين التدريس والنزاهة، وبين المعرفة والأخلاق، وبين المسؤولية الأكاديمية والروح الإنسانية. وهذه المعادلة ليست سهلة دائماً؛ لأن الأستاذ الجامعي يتعامل مع أجيال مختلفة، وشخصيات متعددة، وتوقعات متباينة، وضغوط مهنية قد تجعل المحافظة على الثبات الأخلاقي تحدياً بحد ذاته.
لكن القدوة لا تُصنع في الأيام السهلة.
القدوة تظهر عندما يكون الطريق صعباً، وعندما تتعدد الضغوط، وعندما يجد الإنسان نفسه أمام خيارات يستطيع من خلالها أن يتخلى عن بعض مبادئه من أجل راحته، لكنه يختار أن يتمسك بها.ومن هنا يمكن قراءة تجربة أنسام علي عبد المحسن بوصفها تجربة لأستاذة لم تجعل الظروف تغير صورتها عن نفسها. واجهت الصعوبات، واستمرت في أداء دورها، وحافظت على علاقتها الإنسانية بطلبتها، حتى أصبح اسمها مرتبطاً لدى كثير ممن عرفوها بصورة الأستاذة التي تجمع بين العلم والأخلاق.
ثم جاء الرحيل.
رحلت الأستاذة من جامعة آشور، لكن بعض الأشخاص لا يغادرون المكان حين يغادرونه. يتركون شيئاً منهم في القاعات، في الممرات، في ذاكرة الطلبة، وفي التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد إلا بعد غيابهم. رحلت أنسام، وربما بدا المكان كما هو؛ القاعات نفسها، والممرات نفسها، والجدران نفسها، لكن شيئاً ما لم يعد كما كان. فالجامعة ليست حجارة وقاعات ومقاعد فقط. الجامعة أيضاً أشخاص يصنعون روحها. وحين يرحل شخص ترك أثراً حقيقياً، يكتشف من حوله أن غيابه أكبر من مجرد غياب موظفة أو تدريسية. هناك حضور كان يملأ المكان، وحين غاب أصبحت المساحة أكثر فراغاً. رحلت أنسام من جامعة آشور، ورحل معها شيء من ذلك الحضور الذي اعتاد الطلبة أن يروه في وجهها البشوش، وفي طريقتها الإنسانية، وفي احترامها للآخرين. قد تستمر المحاضرات بعدها، وقد يأتي تدريسيوّن آخرون، وقد تتغير الجداول والوجوه والسنوات، لكن ذاكرة الطلبة لا تعمل بالطريقة التي تعمل بها الملفات الإدارية. إنها تحتفظ بمن أحببناهم، وبمن منحونا شعوراً جميلاً، وبمن جعلوا أيام الجامعة أكثر احتمالاً وأقل قسوة. وهنا تظهر الحقيقة التي كثيراً ما ننساها في حديثنا عن التعليم الجامعي: الأستاذة الجامعية لا تدرّس المادة وحدها، وإنما تدرّس من حيث لا تشعر طريقة التعامل، معنى النزاهة، قيمة الاحترام، وأهمية أن يبقى الإنسان إنساناً مهما ارتفع موقعه الأكاديمي. إن أنسام علي عبد المحسن لم تكن محاضِرة فقط، بل كانت قدوة في جانب من جوانب مهنتها، وقد تكون تلك هي الشهادة الأجمل التي يمكن أن يحصل عليها أستاذ جامعي. فالشهادات تُعلّق على الجدران، والألقاب تُكتب أمام الأسماء، والبحوث تحفظها المكتبات، أما المحبة التي يتركها الأستاذ في قلوب طلبته فليس لها أرشيف سوى الذاكرة. وحين يرحل الأستاذ من الجامعة ويبقى اسمه حاضراً في أحاديث الطلبة، فذلك يعني أنه لم يكن يملأ ساعات التدريس فقط، بل كان يملأ جزءاً من حياة من مرّوا من أمامه. وربما لهذا كان رحيل أنسام من جامعة آشور أكثر من انتقال تدريسية من مكان إلى آخر؛ كان رحيل وجهٍ اعتاد الآخرون أن يجدوا فيه الطمأنينة، ورحيل شخصية تركت وراءها أثراً لا تغلقه أبواب الجامعة ولا تنهيه نهاية عام دراسي. فالجامعة قد تستبدل الأستاذة، لكنها لا تستطيع أن تستبدل الأثر الذي تركته. وهذا هو الفرق بين من يعمل في الجامعة ومن يصبح جزءاً من ذاكرتها.

قد يعجبك ايضا
∧