محمد علي محيي الدين
وفيق حسين الخشاب، جغرافي عراقي بارز، وأحد الأسماء التي ارتبطت بمرحلة مهمة من تطور الدراسات الجغرافية الحديثة في العراق. ولد في عقرة سنة 1930، لعائلة كردية وتوفي سنة 1994، وترك وراءه نتاجاً علمياً واسعاً توزع بين الجغرافية الطبيعية والجيومورفولوجيا والموارد المائية والجغرافية الإقليمية، فضلاً عن الكتب الجامعية التي أسهمت في ترسيخ المعرفة الجغرافية لدى أجيال من الطلبة والباحثين.

تذكر موسوعة المطبعي أن الخشاب حصل على الدكتوراه في الجغرافية من جامعة شيكاغو سنة 1958، ثم تولى عدداً من الوظائف والمواقع الأكاديمية، من بينها رئاسة قسم الجغرافية في كلية التربية بجامعة بغداد. كما تشير المصادر الأخرى إلى صلته بالتدريس الجامعي وإلى حضوره في قسم الجغرافية، الأمر الذي جعله واحداً من الأكاديميين الذين لم تقتصر مهمتهم على التأليف، وإنما جمعوا بين التدريس والبحث والإشراف العلمي والمشاركة في بناء التخصص الجغرافي في العراق.
وتكشف مسيرته العلمية عن اهتمام مبكر بالجغرافية بوصفها علماً يتجاوز وصف المكان إلى تفسير العلاقات بين الإنسان والبيئة والموارد والظواهر الطبيعية. وقد انعكس ذلك في تنوع مؤلفاته، التي تناولت سطح الأرض والجيومورفولوجيا والموارد الطبيعية والمائية، إلى جانب الجغرافية الإقليمية والسياسية والاقتصادية. ومن هنا جاءت تجربته منفتحة على فروع متعددة، لكنها ظلت محافظة على خيط جامع يتمثل في محاولة فهم المكان العراقي والإقليمي ضمن أسس علمية حديثة.
ومن أبرز أعماله كتاب «الحقائق والمعلومات حول الموارد المالية في العراق» باللغة الإنكليزية، الذي طبع سنة 1960، ثم كتاب «أشكال سطح الأرض» بالاشتراك سنة 1961، وهو موضوع يتصل مباشرة باهتمامه بعلم الجيومورفولوجيا، أي دراسة أشكال سطح الأرض وتطورها والعوامل المؤثرة فيها. كما أصدر «سلسلة العالم الجديد» في خمسة أجزاء سنة 1975، و«أسس علم الأرض» سنة 1979، وكتاباً في الجيومورفولوجيا التطبيقية في الفترة نفسها، ثم أفرد للموارد المائية في العراق كتاباً سنة 1980، قبل أن يواصل مشروعه المعجمي بإصدار «معجم مصطلحات أشكال سطح الأرض» سنة 1991، و«المعجم الموسوعي للجغرافية الطبيعية» سنة 1992، بحسب ما تورد موسوعة المطبعي.
أما الملف الاستنادي للمؤلفين العراقيين فيقدم صورة أكثر اتساعاً عن عناوين إنتاجه، فيذكر من مؤلفاته «الجغرافية الطبيعية: علم الجيومورفولوجية، تعريفه وتطور مجالاته وتطبيقاته»، و«الموارد المائية في العراق»، و«الأفكار الحديثة في الجيومورفولوجي»، و«علم الجيومورفولوجيا: تعريفه، تطوره، مجالاته وتطبيقاته»، فضلاً عن «الموارد الطبيعية: ماهيتها، تعريفها، أصنافها وصيانتها». كما تناول الجغرافية الإقليمية في مؤلفات مثل «الجنوب الأوسط للقارة الآسيوية»، و«الجنوب الأوسط للقارة الآسيوية: دراسة في التركيب السياسي والاجتماعي والاقتصادي ضمن الإطار الإقليمي»، و«أفريقية جنوب الصحراء»، و«جغرافية العالم الجديد: الأمريكتين»، إلى جانب «النمط الجغرافي للعالم القديم» وكتب أخرى.
ولا تكمن قيمة هذا الإنتاج في كثرة العناوين وحدها، وإنما في اتساع دائرة الاهتمام التي تكشف عنها. فالخشاب لم ينظر إلى الجغرافية الطبيعية والإقليمية باعتبارهما مجالين منفصلين، بل تحرك بينهما بوصفهما طريقين متكاملين لفهم المكان. فإذا كانت الجيومورفولوجيا تبحث في تكوين الأرض وتغيراتها، فإن دراسة الموارد المائية والطبيعية تنتقل من طبيعة المكان إلى إمكاناته، بينما تقود الجغرافية الإقليمية إلى فهم الإنسان والمجتمع والاقتصاد والسياسة في إطار ذلك المكان. وهذا الاتساع هو ما منح تجربته طابعاً تركيبياً واضحاً.
وقد تناول الباحث حسام نجم الدين عبد هذه التجربة في دراسة بعنوان «النتاج الفكري والعلمي الجغرافي للدكتور وفيق الخشاب»، نشرتها مجلة بلاد الرافدين للعلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد الخامس، العدد الثاني، سنة 2023، في 15 كانون الأول. وتعد هذه الدراسة مهمة في توثيق تجربته، إذ لم تكتف بسرد سيرته، وإنما درست مؤلفاته ورسائله الجامعية ومناهجه في البحث، واعتمدت كذلك على زيارة المكتبات والمقابلات الشخصية، إلى جانب تحليل نتاجه وتصنيفه في فروع الجغرافية المختلفة.
ويخلص حسام نجم الدين عبد في دراسته إلى أن الخشاب كان من رواد الجغرافية الحديثة في العراق، وأن مؤلفاته تميزت بالأصالة والابتكار، وأن أثره لم يقتصر على الجغرافية الإقليمية، بل امتد إلى الهيدرولوجيا والجيومورفولوجيا، فضلاً عن التدريس والإشراف على طلبة الدراسات الأولية والعليا. وهذه الشهادة البحثية تضيف بعداً مهماً إلى صورته، لأن قيمة الأستاذ الجامعي لا تقاس بما يكتبه وحده، وإنما أيضاً بما يتركه في طلابه وبما يرسخه من مناهج وأساليب في البحث.
وتؤكد شهادة أحد طلبته هذا الجانب من شخصيته الأكاديمية، إذ وصفه بأنه «شيخ الجغرافيين»، وأشار إلى أنه كان من أعلام قسم الجغرافية، وأن مجموعة من زملائه تتلمذت على يديه في المرحلة الأولى خلال السنة الدراسية 1989–1990. كما تذكر الشهادة أنه كان كردي الأصل من منطقة عقرة في الموصل، وأنه عاش في بغداد وارتبط بالتدريس الجامعي فيها. غير أن هذه الشهادة تختلف في بعض تفاصيل التحصيل العلمي عن ما تذكره موسوعة المطبعي؛ فهي تشير إلى حصوله على الماجستير والدكتوراه من جامعة كلارك في الولايات المتحدة، بينما تنص الموسوعة على الدكتوراه من جامعة شيكاغو سنة 1958. ولذلك تبقى بيانات التحصيل العلمي بحاجة إلى الرجوع إلى سجلاته الجامعية الأصلية لحسم هذا الاختلاف.
ومن الجوانب اللافتة في تجربته أيضاً اهتمامه بالتأليف المعجمي والمصطلحي، وهو جهد لا يقل أهمية عن الكتب الدراسية، لأن تطور أي علم يحتاج إلى استقرار مفاهيمه ومصطلحاته. ويظهر ذلك بوضوح في «معجم مصطلحات أشكال سطح الأرض» و«المعجم الموسوعي للجغرافية الطبيعية». فالمعجم بالنسبة إلى الباحث ليس مجرد جمع للمفردات، بل محاولة لتوحيد لغة التخصص وتسهيل انتقال المعرفة بين الأجيال، وهو ما يفسر استمرار قيمة هذا النوع من المؤلفات في الحقل الأكاديمي.
وقد ارتبط الخشاب كذلك بالقول إنه كان «أول من وضع ميزانية مالية للعراق»، وهي عبارة وردت في المادة التي تنقلها موسوعة المطبعي عن سيرته. وبسبب عدم توافر تفاصيل إضافية في المصادر المقدمة حول هذه المسألة، فإنها تبقى من الأقوال التي ينبغي التعامل معها بوصفها منسوبة إليه أو إلى سيرته، لا باعتبارها حقيقة مكتملة التوثيق من دون الرجوع إلى السجلات المالية والإدارية ذات الصلة.
إن قراءة تجربة وفيق الخشاب اليوم تكشف عن جغرافي لم يتعامل مع تخصصه بوصفه علماً لوصف الخرائط والأقاليم فقط، وإنما سعى إلى جعله أداة لفهم الأرض ومواردها وتحولاتها وعلاقات الإنسان بها. وقد ساعده في ذلك تكوين علمي في الولايات المتحدة، وتجربة تدريسية طويلة، وإنتاج غزير توزع بين الكتب الجامعية والبحوث والمعاجم والدراسات الإقليمية. ولهذا فإن دراسة حسام نجم الدين عبد المنشورة سنة 2023 جاءت في وقت مهم لإعادة قراءة هذا النتاج، والدعوة إلى توثيق أعمال رواد الجغرافية العراقية حتى لا تضيع تجاربهم في ثنايا الذاكرة الأكاديمية.
وهكذا ظل وفيق حسين الخشاب واحداً من الأسماء التي أسهمت في نقل الجغرافية العراقية من مرحلة التلقي إلى مرحلة الإنتاج والتأسيس. فبين دراسة سطح الأرض والموارد المائية والجغرافية الإقليمية، وبين الكتاب الجامعي والمعجم والإشراف على الباحثين، امتدت تجربته لتشكل جزءاً من تاريخ علم الجغرافية الحديث في العراق. وإذا كان رحيله سنة 1994 قد وضع حداً لمسيرته الشخصية، فإن الكتب التي تركها، والطلبة الذين تتلمذوا عليه، والدراسات التي أعادت قراءة نتاجه، تجعل حضوره العلمي ممتداً، وتمنح لقبه الذي أطلقه عليه بعض تلاميذه، «شيخ الجغرافيين»، معنى يتجاوز المجاملة إلى الإشارة إلى مكانته في مسيرة الجغرافية العراقية.
اعتمدت السيرة على: موسوعة المطبعي، والملف الاستنادي للمؤلفين العراقيين، ودراسة حسام نجم الدين عبد «النتاج الفكري والعلمي الجغرافي للدكتور وفيق الخشاب»، المنشورة في مجلة بلاد الرافدين للعلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد الخامس، العدد الثاني، سنة 2023، فضلاً عن شهادة أحد طلبته المنشورة في صفحته الشخصية، مع الإشارة إلى أن بعض تفاصيل سيرته، ولا سيما الجامعة التي نال منها درجتي الماجستير والدكتوراه، وردت بصورة متباينة في المصادر المتاحة.