وصفي محمد علي.. طبيب العدالة

محمد علي محيي الدين

وصفي محمد علي طبيب عراقي بارز في اختصاص الطب العدلي، ولد في الكاظمية ببغداد سنة 1909، وتوفي سنة 2000، وهو الشقيق الأصغر أو المعاصر في المسيرة العلمية للمؤرخ الكبير الدكتور جواد علي، صاحب موسوعة «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام». وإذا كان جواد علي قد اختار التاريخ ميداناً للبحث والتنقيب في أعماق الماضي، فإن أخاه وصفي اختار الطب، ولا سيما الطب العدلي، ليقف عند منطقة شديدة الحساسية تلتقي فيها الحقيقة الطبية مع المسؤولية القانونية والضمير الإنساني.

Screenshot

نشأ وصفي في الكاظمية، وتلقى في بدايات حياته العلمية دراسة أصول الفقه في كلية الإمام الأعظم، قبل أن يتجه إلى دراسة الطب ويتخرج في كلية الطب الملكية العراقية سنة 1935. وتشير المعلومات الواردة في أرشيف الطب العراقي إلى أنه عُيّن مساعداً للدكتور أحمد عزت القيسي، مدير الطبابة العدلية آنذاك، فكانت تلك الخطوة بداية ارتباطه الفعلي بهذا الاختصاص الذي سيصبح لاحقاً عنواناً بارزاً في حياته العلمية.
ولم يكتفِ بما حصله في العراق، إذ اتجه سنة 1944 إلى القاهرة، والتحق بكلية الطب فيها وحصل على دبلوم عالٍ في الطب العدلي وعلم السموم بتقدير جيد. ثم واصل رحلته العلمية إلى الولايات المتحدة، حيث خاض تجارب ودراسات في مجال الطب العدلي في جامعة هارفرد، كما مارس الاختصاص واطلع على تجاربه في عدد من البلدان الأوروبية. وقد أسهم هذا الانفتاح العلمي في توسيع أدواته وخبرته، فغدا اسمه معروفاً خارج العراق أيضاً، واختير عضواً في جمعيات طبية عالمية، ودعي إلى مؤتمرات دولية شارك فيها ببحوثه ودراساته.
كان وصفي محمد علي من ذلك الجيل الذي لم يرَ في الطبيب مجرد صاحب مهنة، بل صاحب مسؤولية تجاه الحقيقة. وقد انعكس ذلك في إنتاجه العلمي؛ فكتب ونشر بحوثاً بعدة لغات في مجلات عالمية، وحظي بتكريمات وجوائز من مؤسسات إقليمية ودولية، ومثل العراق في مؤتمرات طبية متعددة. ولم يكن هذا الحضور الخارجي منفصلاً عن اهتمامه بالمؤسسة الطبية العراقية، بل بدا جزءاً من سعيه إلى نقل الخبرة الحديثة إلى بلده وتطوير اختصاص الطب العدلي فيه.
وفي سنة 1953 أصبح أول رئيس تحرير للمجلة الطبية، ثم تولى في سنة 1958 منصب نقيب ذوي المهن الطبية في دورته الثالثة. كما تشير وثائق أرشيف الطب العراقي إلى أنه عُيّن خبيراً في الطب العدلي لدى المحاكم العراقية اعتباراً من 2 شباط/فبراير 1962، واستثني من قانون التقاعد المدني رقم 33 لسنة 1966 المعدل، فمُددت خدمته خمس سنوات إضافية. وهذه التفاصيل تكشف أن حضوره لم يكن أكاديمياً فحسب، بل كان وثيق الصلة بالقضاء والمؤسسات الرسمية، بحكم الطبيعة الخاصة لاختصاصه.
وقد ترك وصفي عدداً من الكتب التي أصبحت جزءاً من المكتبة الطبية العراقية والعربية، من بينها «الطب العدلي» سنة 1950، ثم «الطب العدلي علماً وتطبيقاً» الذي صدرت طبعته الأولى سنة 1966 والثانية سنة 1967. كما ألف كتباً ودراسات في الجرائم الجنسية والانتحار، وترجم كتاب «الفلاح: حياته وصحته» لباترسون سنة 1941. وتذكر المصادر أن مؤلفاته في الطب العدلي أصبحت مراجع أو كتباً منهجية استفاد منها طلبة كليات الطب والقانون والشرطة، فضلاً عن طلبة الدراسات العليا في العراق والوطن العربي.
وفي مقال كتبه أ.د. ماهر موسى العبيدي على موقعه الإلكتروني عن وصفي محمد علي، استعاد الكاتب صورة الأخوين جواد ووصفي، ورأى أن كليهما اشترك في صفات أخلاقية رفيعة، وفي الابتعاد عن التملق وعدم الخضوع لما يخالف قناعاتهما. ويقدم العبيدي أخاه وصفي بوصفه عالماً كرّس حياته للطب العدلي، حتى أصبح من أبرز المتخصصين العرب في هذا الميدان. كما يشير إلى أن الأخوين دفنا متجاورين في مقبرة جامع براثا، في صورة رمزية تختصر علاقة جمعت بين عالمين اختلف ميدانهما واتحدت قيمة ما قدماه.
وتكتسب مواقف وصفي محمد علي أهميتها من طبيعة اختصاصه؛ فالطب العدلي، أو الطب الشرعي كما يسمى في عدد من البلدان العربية، ليس فرعاً طبياً محضاً، وإنما يقف عند الحد الفاصل بين الطب والقانون. الطبيب العدلي لا يبحث عن المرض فقط، بل عن الحقيقة الكامنة وراء الإصابة أو الوفاة، وقد تتحول شهادته أو تقريره إلى عنصر حاسم في قضية قضائية. ولذلك كان التزامه بالعلم والموضوعية، في نظر من كتبوا عنه، جزءاً لا ينفصل عن أخلاقيته المهنية.
ومن المواقف التي يستشهد بها أ.د. ماهر موسى العبيدي شهادته أمام محكمة الشعب (محكمة المهداوي) في قضية محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم، إذ أكد أن من واجب الطبيب الإنساني معالجة المصاب أياً كان، لكنه ملزم قانوناً بإبلاغ الشرطة باسم الجريح، لأن الإصابة قد تكون ذات أسباب جنائية. وفي هذا الموقف تتجلى بوضوح طبيعة المهنة التي اختارها وصفي: إنقاذ الإنسان من جهة، وعدم إخفاء الحقيقة التي تتعلق بالقانون من جهة أخرى.
وتنقل رواية العبيدي كذلك موقفاً آخر يعود إلى أواخر ستينيات القرن الماضي، حين رفض وصفي تسليم تقرير الطب العدلي الرسمي المتعلق بتشريح جثة شخص توفي تحت التعذيب، وأصر على أن التقرير ينبغي أن يسلم إلى حاكم التحقيق المختص، حتى لو كان من يطلبه يشغل أعلى منصب في الدولة. ويضيف العبيدي أن موقفه الحازم أثار إعجاب المسؤول الذي كان يخاطبه، وأنه أصبح لاحقاً موضع ثقة في إعداد التقارير الطبية المتعلقة بقضايا حساسة. ومهما اختلفت تفاصيل الرواية، فإنها تُقدَّم في المصدر بوصفها دليلاً على تمسك الرجل باستقلال رأيه المهني وعدم تحويل العلم إلى أداة بيد السلطة.
كما يذكر العبيدي أن وصفي رفض في ثمانينيات القرن الماضي تقديم مقترح لتشريع قانون رآه مخالفاً لأحكام الشريعة والقانون، معللاً رفضه بأنه ليس من اختصاصه الخوض في هذا المجال. وهو موقف يعكس جانباً آخر من شخصيته، يتمثل في معرفة حدود الاختصاص وعدم توظيف المكانة العلمية للتدخل فيما لا يدخل في دائرة عمله.
ولعل الجانب الإنساني في شخصيته يظهر أيضاً في موقفه من التكريم؛ فقد كان، بحسب المصدر نفسه، يمر بظروف مادية صعبة، ومع ذلك رفض نصيحة بعض أصدقائه بأن يرفع طلباً إلى رئيس النظام السابق لتكريمه. فكرامة العالم عنده لم تكن أمراً يمكن مقايضته بالحاجة، وظل حريصاً على أن يأتي الاعتراف بعمله من المؤسسة والمجتمع العلمي، لا من طلب شخصي يقدمه إلى صاحب سلطة.
وقد نال بالفعل تكريماً ينسجم مع مكانته العلمية، إذ كرّمته عمادة كلية الشرطة وأطلقت اسمه على إحدى قاعاتها الدراسية، كما قامت بطباعة كتابه «الوجيز في الطب العدلي» على نفقتها، ليكون منهجاً أساسياً لطلبتها. ويكشف هذا التكريم عن القيمة التعليمية التي اكتسبتها مؤلفاته، فلم تكن مجرد كتب متخصصة، بل أدوات لتكوين أجيال جديدة من طلبة الطب والقانون والشرطة.
وكان وصفي يطمح إلى تطوير معهد الطب العدلي في بغداد، وإقامة بناية حديثة تتناسب مع حجم العمل الملقى على عاتق العاملين فيه، ولا سيما خلال فصل الصيف الذي تزداد فيه الحوادث والجرائم. إلا أن مشروعه لم يرَ النور، وبقي هذا الأمر موضع أسف لديه. كما يذكر العبيدي علاقته باحترام وتقدير بالدكتور رياض الحاج حسين، رغم عتبه عليه في قضية استثمار الأرض التي كان يأمل تخصيصها لمعهد الطب العدلي.
ومن القضايا التي ارتبطت بخبرته أيضاً مشاركته في الكشف على الجرائم التي ارتكبتها عصابة أبو طبر، حيث خلص، وفق رواية العبيدي، إلى أن مرتكبها مجرم محترف ذو نزعة سادية، في حين ذهبت اللجنة التحقيقية آنذاك إلى تفسير مختلف للأحداث وربطها بعصابة أجنبية ذات أهداف سياسية. ويرى العبيدي أن التطورات اللاحقة أكدت صحة الاستنتاج الذي توصل إليه وصفي من الناحية العلمية والطبية. وتبقى هذه الواقعة، بصرف النظر عن الجدل الذي أحاط بها، مثالاً على الطريقة التي كان الرجل يتعامل بها مع الوقائع من خلال أدوات اختصاصه، بعيداً عن التفسيرات السياسية المسبقة.
ويبدو أن اجتماع دراسة الفقه والطب في بدايات حياته، ثم التخصص الدقيق في الطب العدلي، أسهم في تكوين شخصية تجمع بين الحس الأخلاقي والانضباط العلمي. فالطب العدلي بطبيعته يفرض على صاحبه أن يكون شديد الحذر في إصدار الأحكام، لأن وراء كل تقرير إنساناً وحقاً ومسؤولية قانونية. ومن هنا يمكن فهم المكانة التي اكتسبها وصفي بين الأطباء والقضاة وطلبة الطب والقانون والشرطة، وكذلك الإصرار الذي ظهر في مواقفه على أن تظل الحقيقة العلمية فوق الاعتبارات الشخصية والسياسية.
لقد خدم وصفي محمد علي العراق أكثر من نصف قرن، وترك وراءه مؤلفات وبحوثاً وتجربة مهنية أصبحت جزءاً من تاريخ الطب العدلي في البلاد. وقد كتب عنه المؤرخ أديب توفيق الفكيكي بما أنصفه وأبرز مكانته، كما أشاد به أطباء وباحثون عرب، ووصفه أحد كبار أساتذة الطب العدلي المصريين بأنه من خير خبراء العرب في هذا الاختصاص، وفق ما أورده أ.د. ماهر موسى العبيدي.
وهكذا لم تكن سيرة وصفي محمد علي سيرة طبيب بارع فحسب، وإنما سيرة رجل رأى في العلم أمانة وفي المهنة مسؤولية وفي الكرامة الإنسانية خطاً لا ينبغي تجاوزه. وإذا كان أخوه جواد علي قد ترك أثره في صفحات التاريخ العراقي والعربي، فإن وصفي ترك أثره في صفحات الطب والقضاء والتعليم الطبي، وظل الاثنان متجاورين حتى في مثواهما الأخير في مقبرة جامع براثا. ولعل أبلغ ما يمكن أن يقال في حقه أن اسمه لم يبقَ محصوراً في سجل الأطباء، بل امتد إلى الكتب التي درسها الطلبة، والتقارير التي حفظت حقوق أصحابها، والمواقف التي جعلت من الطبيب شاهداً على الحقيقة لا تابعاً للسلطة.
واعتمدت هذه السيرة على: موسوعة المطبعي، مادة «وصفي محمد علي»؛ أرشيف الطب العراقي، السيرة المهنية للدكتور وصفي محمد علي؛ مقال أ.د. ماهر موسى العبيدي المنشور على موقعه الإلكتروني عن الدكتور وصفي محمد علي وشقيقه المؤرخ جواد علي؛ وما أورده المقال من إشارات إلى كتابات المؤرخ أديب توفيق الفكيكي، وإلى تقدير أحد كبار أساتذة الطب العدلي المصريين لمكانة وصفي محمد علي بين خبراء الطب العدلي العرب.

قد يعجبك ايضا