زكية أسماعيل حقي.. المرأة التي هزّت عرش التقاليد ودخلت محراب القضاء قبل ستة عقود

عرفان الداوودي

ليست كل الأسماء التي تمرّ في صفحات التاريخ تُصبح جزءاً من ذاكرته، فهناك أسماء تتحول إلى علامات فارقة، لأنها لا تكتفي بصناعة حضورها الشخصي، بل تفتح الطريق أمام أجيال كاملة. ومن بين هذه الأسماء تبرز زكية إسماعيل حقي، المرأة الكوردية العراقية التي دخلت التاريخ من أوسع أبوابه، حين أصبحت عام 1959 أول امرأة تُعيَّن قاضية في العراق والمنطقة العربية، في مرحلة كان وصول المرأة إلى مواقع القضاء والقرار أمراً استثنائياً. وقد وثقت مصادر عراقية وأكاديمية تعيينها في القضاء ببغداد عام 1959.

لم تكن زكية حقي مجرد قاضية حملت صفة وظيفية، بل كانت مشروعاً قانونياً وحقوقياً وسياسياً متكاملاً، جمع بين العلم والقانون والعمل العام والدفاع عن حقوق المرأة والحضور السياسي.

امرأة سبقت زمنها

ولدت زكية إسماعيل حقي في بغداد لعائلة كوردية فيلية، وتخرجت في كلية الحقوق بجامعة بغداد عام 1957 بدرجة امتياز. ثم واصلت مسيرتها العلمية، فحصلت على بكالوريوس في إدارة الأعمال من سويسرا، وعلى الماجستير في القانون من جامعة بغداد عام 1972، ثم الدكتوراه في القانون الدولي من الولايات المتحدة، وفق المصادر التي تناولت سيرتها. وهنا تكمن أهمية تجربتها؛ فهي لم تكن امرأة وصلت إلى القضاء مصادفة، وإنما كانت قانونية مؤهلة علمياً، أدركت أن المعرفة القانونية هي الطريق الحقيقي إلى بناء دولة يحكمها القانون.

وفي 9 شباط/فبراير 1959 دخلت التاريخ بتعيينها قاضية في بغداد. وتذكر المصادر أنها عملت في المحكمة الشرعية ببغداد، فيما توثق دراسة أكاديمية حديثة أن تعيينها كان في 9 كانون الأول/ديسمبر 1959؛ وهو اختلاف تاريخي في بعض المراجع، لكن المصادر تتفق على أنها أصبحت في عام 1959 أول امرأة في العراق والمنطقة العربية تتولى منصب القضاء.

القضاء ليس منصباً… بل أمانة

من الناحية القانونية، كان دخول امرأة إلى سلك القضاء في تلك المرحلة رسالة تتجاوز حدود الوظيفة. فالقضاء في جوهره هو حماية للحق، وصيانة للحرية، وإعلاء لسيادة القانون. والقاضي لا يستمد هيبته من جنسه أو قوميته أو انتمائه السياسي، وإنما من استقلاله ونزاهته وعلمه وقدرته على تطبيق القانون بعدالة. ومن هنا فإن تجربة زكية حقي تحمل معنى قانونياً عميقاً: المرأة ليست خارج منظومة العدالة، وليست أقل قدرة على حمل مسؤولية القضاء، وإنما معيارها الكفاءة والأهلية واحترام القانون.

لقد دخلت زكية إلى مؤسسة كانت في ذلك الزمن يغلب عليها الرجال، ولم تدخلها بحثاً عن امتياز، وإنما دخلتها بوصفها قانونية تمتلك العلم والتأهيل. وهذا هو المعنى الحقيقي للمساواة أمام القانون.

من منصة القضاء إلى ميدان الحقوق

لم تتوقف مسيرتها عند القضاء والمحاماة، بل عملت في مواقع قانونية وإدارية، وتولت مسؤوليات استشارية في مؤسسات الدولة، ثم واصلت نشاطها في المجال القانوني والحقوقي. كما ارتبط اسمها بالحركة النسوية الكوردية، وكانت من الشخصيات المؤسسة لاتحاد نساء كوردستان في خمسينيات القرن الماضي، وتولت رئاسته لسنوات، بحسب مصادر تناولت سيرتها. وهنا تتضح الصورة كاملة:

قاضية… محامية… باحثة قانونية… ناشطة في حقوق المرأة… وشخصية سياسية. أي أنها لم تتعامل مع القانون باعتباره نصوصاً جامدة، وإنما باعتباره وسيلة لبناء مجتمع أكثر عدلاً وإنصافاً.

حين يصبح القانون موقفاً

إن أكثر ما يجعل تجربة زكية حقي جديرة بالقراءة اليوم هو أن حياتها لم تكن مسيرة وظيفية هادئة، بل ارتبطت أيضاً بالتحولات السياسية الكبرى التي عاشها العراق. وتشير مصادر تاريخية إلى أنها فقدت منصبها القضائي بسبب مواقف سياسية ومشاركتها في احتجاجات مرتبطة بالسلام والقضية الكوردية، ثم عادت إلى العمل في القضاء لفترة لاحقة. وبغض النظر عن اختلاف الروايات والتفاصيل المتعلقة بكل مرحلة، فإن الثابت أن حياتها المهنية والقانونية تقاطعت مع السياسة، وأنها دفعت ثمناً من مسيرتها بسبب مواقفها. وهنا يبرز سؤال قانوني وسياسي مهم: هل يمكن أن يكون القضاء مستقلاً إذا أصبح القاضي خاضعاً للضغط السياسي؟

إن تاريخ زكية حقي يذكّرنا بأن استقلال القضاء ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هو شرط أساسي لقيام دولة القانون. فالقاضي الذي يخشى السلطة لا يستطيع أن يحمي المواطن من تعسف السلطة، والقضاء الذي يفقد استقلاله يفقد جزءاً من وظيفته الدستورية والأخلاقية.

المرأة الكوردية في قلب الدولة العراقية

إن الحديث عن زكية إسماعيل حقي لا ينبغي أن يُختزل في كونها “أول قاضية”. فهي أيضاً صورة من صور الحضور الكوردي داخل مؤسسات الدولة العراقية، وصورة للمرأة الكوردية التي دخلت مبكراً إلى مجالات القانون والسياسة والعمل العام. وقد ارتبط اسمها بالحركة الكوردية وباتحاد نساء كوردستان، كما انتُخبت عام 1970 لقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وتذكر مصادر أنها كانت المرأة الوحيدة في تلك القيادة في ذلك الوقت. وهذا يعكس حقيقة تاريخية مهمة: المرأة الكوردية لم تكن تنتظر أن يمنحها التاريخ دوراً؛ بل كانت تصنع دورها بنفسها.

من القضاء إلى البرلمان

بعد عام 2003 عادت زكية حقي إلى المشهد السياسي العراقي، وأصبحت عضوة في مجلس النواب العراقي خلال الدورة الأولى للفترة 2005–2010. وهكذا امتدت رحلتها من قاعة المحكمة إلى قاعة البرلمان. وفي ذلك امتداد طبيعي لفكرة القانون؛ فالقاضي يطبق القانون، والمشرّع يشارك في صناعة القانون، والمحامي يدافع عن الحقوق، والناشط الحقوقي يطالب بضمانها. لقد جمعت زكية حقي هذه المسارات في شخصية واحدة.

إرث لا يجوز أن يضيع

رحلت زكية إسماعيل حقي في 23 آب/أغسطس 2021، لكن رحيل الإنسان لا يعني نهاية أثره. فالأسماء الكبيرة لا تقاس بعدد السنوات التي عاشتها، وإنما بعدد الأبواب التي فتحتها لمن جاء بعدها. واليوم، عندما نرى المرأة العراقية والكوردية حاضرة في القضاء والبرلمان والجامعات والنقابات ومؤسسات الدولة، علينا أن نتذكر أن الطريق لم يبدأ اليوم.

كانت هناك نساء دفعن الثمن قبلنا، ووقفن في مواقع لم تكن المرأة تصل إليها بسهولة. وكانت زكية إسماعيل حقي واحدة من أبرز هؤلاء الرائدات.

رسالة إلى العراق وكوردستان

إن تخليد زكية إسماعيل حقي لا يكون بإطلاق اسمها على شارع أو مؤسسة فحسب، رغم أهمية ذلك، وإنما يكون قبل كل شيء بحماية المبادئ التي آمنت بها: سيادة القانون، استقلال القضاء، احترام حقوق الإنسان، تمكين المرأة، ورفض التمييز، واحترام حق المواطن في العدالة والكرامة.

ومن حق الأجيال الجديدة أن تعرف أن أول قاضية في العراق والمنطقة العربية كانت امرأة كوردية عراقية دخلت القضاء في عام 1959، وأن تجربتها سبقت كثيراً من التحولات التي أصبحت اليوم جزءاً طبيعياً من الحياة القانونية والسياسية.

خاتمة

زكية إسماعيل حقي ليست صفحة من الماضي فحسب؛ إنها رسالة إلى الحاضر والمستقبل. رسالتها تقول إن المرأة حين تمتلك العلم والشجاعة والإرادة تستطيع أن تصل إلى أكثر المواقع حساسية في الدولة.ورسالتها القانونية تقول إن العدالة لا تُبنى بالشعارات، وإنما باستقلال القضاء واحترام القانون. ورسالتها السياسية تقول إن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى إلغاء للإنسان أو انتقاص من حقوقه. أما رسالتها للكورد والمرأة الكوردية خصوصاً، فهي أن التاريخ لا يمنح المكانة لمن ينتظرها، وإنما لمن يصنعها بالعلم والعمل والتضحيات.

رحم الله زكية إسماعيل حقي، أول قاضية عراقية وكوردية في تاريخ العراق والمنطقة العربية، التي لم تدخل التاريخ لأنها كانت امرأة فقط، بل لأنها كانت امرأة امتلكت العلم، وحملت القانون، ووقفت في زمنها حيث كان الوقوف يحتاج إلى شجاعة.

إنصافها اليوم ليس مجاملة للماضي… بل إنصاف لتاريخ العراق، ولتاريخ القضاء، ولتاريخ المرأة الكوردية والعراقية.

قد يعجبك ايضا