ستار كاووش.. بين ذاكرة المكان واغتراب اللون

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليس من السهل قراءة تجربة ستار كاووش من خلال ثنائية الوطن والمنفى وحدها، كما لا يكفي النظر إلى لوحاته بوصفها استعادة بصرية لعالم عراقي غادره الفنان جغرافياً. فمثل هذه القراءة، على الرغم من مشروعيتها الأولية، قد تحول التجربة إلى حكاية سيرة، بينما تكمن أهميتها الحقيقية في الطريقة التي استطاع بها كاووش أن ينقل الذاكرة من مستوى الحنين إلى مستوى التشكيل، ومن الواقعة الشخصية إلى لغة بصرية لها قوانينها وإيقاعاتها.

فالمنفى عنده ليس موضوعاً مرسوماً على سطح اللوحة، بل حالة تتسلل إلى بنائها الداخلي. والمكان لا يظهر باعتباره جغرافيا ثابتة، وإنما بوصفه أثراً متحركاً في الذاكرة. ولهذا لا تبدو بغداد في أعماله مجرد مدينة، ولا تبدو أمستردام مجرد فضاء أوروبي؛ فكلاهما يدخل في عملية إعادة تركيب داخل المخيلة، حيث تتجاور الأمكنة كما تتجاور الأزمنة.

اللون هو المدخل الأكثر وضوحاً إلى عالم كاووش، لكنه في الوقت نفسه أكثر عناصر تجربته حاجة إلى القراءة النقدية. فالأزرق والتركوازي واللازوردي والأحمر والبرتقالي والأصفر لا تؤدي وظيفة وصفية، ولا تخضع بالضرورة للمنطق الطبيعي للأشياء. إن الفنان لا يسأل عن اللون الذي تراه العين، بل عن اللون الذي يمكن أن يحمل الحالة الشعورية للمشهد.

فاللون عند كاووش لا يصف العالم بقدر ما يعيد إنتاجه. إنه يرفع الواقع من مستواه الحسي إلى مستوى نفسي، ويجعل الضوء نفسه موضوعاً للتأويل. لذلك تبدو بعض مشاهده وكأنها لا تنتمي إلى نهار واقعي محدد، وإنما إلى ضوء استعادته الذاكرة بعد أن أعادت صياغته.

غير أن هذه القوة اللونية تضع الفنان أيضاً أمام مأزق جمالي: متى يصبح اللون حاملاً للدلالة، ومتى يتحول إلى غاية زخرفية مستقلة؟ هذه المسافة بين الإغراء البصري والضرورة التعبيرية هي إحدى أهم المناطق التي ينبغي أن تتوقف عندها القراءة النقدية لتجربة كاووش. ففي الأعمال التي يتماسك فيها اللون مع البناء الداخلي للعمل، يتحول البهاء إلى معنى؛ أما حين ينفصل اللون عن التوتر الداخلي، فقد تصبح اللوحة أسيرة جمالها السطحي.

أما الجسد فلا يتعامل كاووش معه بوصفه بنية تشريحية ينبغي استكمال تفاصيلها، بل باعتباره علامة قابلة للتحوير والاختزال. فالوجه والعينان والكتف والذراع والجسد بأكمله يدخل في نظام من الإشارات التي تمنح المتلقي إمكانية القراءة أكثر مما تمنحه يقيناً بصرياً نهائياً.

من هنا تأتي شخصياته معلقة بين الإنسان والعلامة. إنها ليست بورتريهات بالمعنى التقليدي، لكنها ليست أيضاً أشكالاً مجردة. إنها شخصيات تحتفظ بما يكفي من الملامح لكي تستعاد إنسانياً، وتفقد ما يكفي من التفاصيل لكي تتحول إلى رموز. وهذا الاختزال يمنح أعماله طاقة تعبيرية، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً حول حدود التكرار. فحين تصبح بعض السمات الجسدية والوجهية جزءاً ثابتاً من قاموس الفنان، يمكن للخصوصية أن تتحول إلى نمط، وللنمط أن يتحول تدريجياً إلى صيغة جاهزة. وهنا تتحدد قيمة التجربة في قدرة الفنان على تجديد قاموسه التشكيلي من الداخل، لا بمجرد تنويع الموضوعات.

أما المرأة فتحتل موقعاً مركزياً في جزء مهم من تجربة كاووش، ولا سيما في مشروع (نساء التركواز). لكن قراءة هذه الأعمال بوصفها احتفاءً بالجسد الأنثوي فقط ستكون قراءة ناقصة. فالمرأة عنده تبدو أقرب إلى بناء رمزي يجتمع فيه الجسد واللون والذاكرة. الملامح مختزلة، والعينان تحتلان مساحة دلالية واضحة، بينما يتعامل الفنان مع الجسد باعتباره إيقاعاً بصرياً أكثر من كونه موضوعاً تشريحياً. ومع ذلك، فإن كثافة حضور المرأة تفتح سؤالاً نقدياً آخر: هل استطاعت المرأة في هذه الأعمال أن تتجاوز كونها موضوعاً جمالياً لتصبح شخصية ذات حضور إنساني مستقل؟

السؤال لا ينتقص من القيمة الجمالية لهذه الأعمال، بل يوسع دائرة قراءتها. فالفن الذي يستعيد المرأة بوصفها رمزاً للحب والجمال والحنين يمكن أن يكون شديد الحساسية، لكنه يظل بحاجة إلى اختبار المسافة بين الرمز والإنسان، وبين الصورة التي يصوغها الفنان والشخصية التي يفترض أن تمثلها.

من أكثر ما يلفت في تجربة كاووش أن المكان يفقد صلابته الجغرافية. فالشارع والعمارة والمدينة لا تظهر بوصفها وثائق مكانية، وإنما بوصفها فضاءات نفسية. وهنا تتراجع فكرة (المكان الحقيقي) لمصلحة (المكان المتذكر). وهذا التحول أساسي في فهم علاقته بالعراق. فالفنان لا يحاول إعادة بناء بغداد كما كانت، وإنما يعيد بناء بغداد التي بقيت داخله. ولذلك فإن المنفى لا يمحو المكان الأول، بل يعيد تشكيله. وكلما ابتعدت الجغرافيا، ازدادت قابلية الذاكرة لإعادة إنتاجها.

من هذه الزاوية يمكن النظر إلى أعمال كاووش باعتبارها خرائط عاطفية أكثر منها خرائط جغرافية؛ إنها لا تحدد أين كان المكان، بل ماذا ترك المكان في الوجدان.

بين فان كوخ وكاووش

تظهر المقارنة مع فنسنت فان كوخ في كثير من القراءات التي تتناول تجربة كاووش، خصوصاً بسبب مركزية اللون وقوته التعبيرية. لكن الاختلاف بين التجربتين أكثر أهمية من التشابه بينهما. فالتشابه لا يتجاوز، في جوهره، الإيمان بقدرة اللون على تجاوز الوصف وتحويل الانفعال إلى بنية بصرية. أما المرجعيات النفسية والثقافية والتاريخية فمختلفة.

فان كوخ جعل اللون امتداداً لتوتر وجودي عميق، بينما يستثمر كاووش اللون في استحضار الذاكرة والحنين والحكاية والعلاقة بين الشرق والغرب. لذلك فإن وضع كاووش في ظل فان كوخ قد يكون مفيداً للمقارنة، لكنه يصبح مضللاً إذا تحول إلى معيار للحكم على تجربته. فالقيمة الفنية لا تنشأ من مقدار الاقتراب من فنان سابق، وإنما من قدرة الفنان على تحويل المؤثرات إلى لغة تخصه.

يصعب إخضاع تجربة كاووش لتصنيف مدرسي واحد. فهي تستفيد من التعبيرية في طاقتها اللونية والانفعالية، ومن الرمزية في تحويل العناصر الواقعية إلى إشارات، ومن المخيال الشرقي في نزوعه الحكائي والزخرفي. لكن المسألة الأهم ليست تحديد المدرسة التي ينتمي إليها، بل معرفة ما الذي فعله بهذه الموروثات. فالفنان الذي يجمع تأثيرات متعددة لا يصبح بالضرورة صاحب لغة خاصة. اللغة الخاصة تبدأ حين تتوقف التأثيرات عن الظهور باعتبارها مصادر منفصلة، وتتحول إلى نسيج واحد يصعب تفكيكه إلى أصوله. وفي أفضل لحظات كاووش، يحدث هذا التحول بالفعل: لا نرى شرقاً خالصاً ولا غرباً خالصاً، ولا تعبيرية مكتملة ولا رمزية صافية، وإنما تركيباً بصرياً نشأ من احتكاك التجربة الشخصية بالعالم.

جماليات المنفى

ربما تكون كلمة (المنفى) من أكثر الكلمات تعرضاً للاستهلاك في قراءة الفنانين العراقيين الذين عاشوا خارج البلاد. ولذلك ينبغي الحذر من تحويلها إلى تفسير شامل لكل ما ينتجه الفنان. فالمنفى ليس بالضرورة مضموناً، وقد لا يكون حتى موضوعاً مباشراً؛ إنه يمكن أن يكون شرطاً لإعادة النظر في الأشياء. ومن هذه الزاوية تبدو تجربة كاووش أكثر تعقيداً من مجرد حنين إلى وطن بعيد. إنه ينظر إلى الشرق من موقع أوروبي، وينظر إلى أوروبا بعين تشكلت في الشرق. هذه الازدواجية لا تظهر دائماً في الموضوع، لكنها تظهر في طريقة بناء الصورة. إنه لا يرسم مكاناً ضد مكان، ولا هوية ضد هوية، وإنما يقف في المسافة بينهما. وهذه المسافة هي التي تمنح تجربته توترها الحقيقي.

تكمن أهمية ستار كاووش في أنه لم يتعامل مع الذاكرة بوصفها مستودعاً للصور القديمة، وإنما بوصفها مادة قابلة لإعادة الإنتاج التشكيلي. فالمدينة عنده تتحول إلى إحساس، والجسد إلى إيقاع، والمرأة إلى استعارة، واللون إلى ذاكرة، والمنفى إلى فضاء جديد لإعادة النظر في المكان.

لكن قيمة تجربته لا ينبغي أن تقاس فقط بسطوع اللون أو جاذبية الموضوع أو سهولة التلقي. فالفن التشكيلي لا يكتسب عمقه من جمال الصورة وحده، وإنما من قدرته على إنتاج توتر بين ما نراه وما نفكر فيه. وهنا تظل تجربة كاووش مفتوحة على سؤال جوهري: هل يستطيع البهاء اللوني أن يحمل دائماً ثقل الذاكرة؟ وهل تستطيع اللوحة أن تتجاوز جمالها الظاهر إلى مساءلة ما وراء الصورة؟

في الأعمال التي تنجح في ذلك، يصبح اللون لغة، ويصبح الحنين بنية، ويصبح المنفى تجربة جمالية لا مجرد سيرة شخصية. أما حين يتقدم الاحتفال البصري على حساب القلق الداخلي، فإن اللوحة تخاطر بالتحول إلى فرجة جميلة مكتفية بذاتها. ولعل قوة ستار كاووش الحقيقية تكمن في هذه المنطقة المعلقة بين الاحتمالين.

فهو لا يقدم الشرق بوصفه فولكلوراً، ولا يتعامل مع الغرب بوصفه خلاصاً جمالياً، ولا يجعل المنفى خاتمة للهوية. إنه يعيد التفاوض مع الأمكنة والذكريات والمؤثرات، محاولاً بناء عالم لا تكون فيه بغداد وأمستردام جغرافيتين متعارضتين، بل ذاكرتين تتقاطعان داخل سطح واحد. وهنا تصبح اللوحة أكثر من صورة: إنها المكان الذي تحاول فيه الذاكرة أن تجد شكلاً، ويحاول المنفى أن يجد معنى، ويحاول الإنسان أن يعيد بناء ذاته بالألوان.

قد يعجبك ايضا