أحمد حقي الحلي… حين يتآلف المسرح والتربية في سيرة إنسان

محمد علي محيي الدين

وُلد أحمد حقي الحلي في الحلة سنة 1914، في بيئةٍ عرفت بتجذرها الثقافي وهدوئها الذي يُنضج المواهب على مهل. هناك تفتّحت عيناه على عالمٍ يختلط فيه الأدب بالحياة اليومية، فكان منذ صباه ميّالًا إلى الكلمة، مأخوذًا بسحر الأداء، وكأن ملامح مسيرته قد ارتسمت مبكرًا بين دفاتر المدرسة وخشبة المسرح.

ما إن أنهى دراسته الأولى حتى انتقل إلى بغداد، العاصمة التي كانت تموج بحركة فكرية وثقافية متصاعدة، فوجد فيها فضاءً أرحب لتحقيق طموحه العلمي. واصل دراسته بإصرارٍ واضح حتى بلغ مرتبة الدكتوراه من جامعة مانشستر عام 1948، ليعود إلى بلده وهو يحمل زادًا معرفيًا حديثًا، يسعى إلى توظيفه في خدمة التربية والتعليم.
غير أن أحمد حقي لم يكن ابن قاعة الدرس وحدها، بل كان ابن المسرح أيضًا. ففي سنوات شبابه الأولى، حين كانت الحركة المسرحية العراقية تخطو خطواتها الأولى، كان واحدًا من أولئك الذين آمنوا بهذا الفن وسعوا إلى ترسيخه. انضم إلى الفرقة التمثيلية الوطنية التي أسسها حقي الشبلي عام 1927، ووقف على الخشبة إلى جانب أسماءٍ ستغدو لاحقًا من أعلام الفن العراقي، مثل محمد القبانجي وعزيز علي. قدّم مع هذه الفرقة أعمالًا مسرحية مبكرة مثل “وحيدة” و“صلاح الدين الأيوبي” و“جزاء الشهامة”، في زمنٍ كان فيه المسرح مغامرة ثقافية أكثر منه مهنة، وكان التمثيل فعل إيمان بالفن قبل أن يكون احترافًا.
عاد بعد ذلك إلى ميدانه الأثير: التعليم. عمل أستاذًا في دار المعلمين العالية التي أصبحت لاحقًا كلية التربية في جامعة بغداد، وأسهم في إعداد أجيال من المعلمين، واضعًا خبرته العلمية في خدمة العملية التربوية. ولم يقتصر عطاؤه على التدريس، بل تقلد مناصب إدارية مهمة، منها منصب مدير عام لدائرة التعليم الابتدائي في وزارة التربية، حيث شارك في رسم سياسات تعليمية كان لها أثرها في بنية التعليم العراقي.
امتدت خبرته إلى مؤسسات علمية وثقافية أخرى، فعمل خبيرًا في المجمع العلمي العراقي، وعضوًا استشاريًا في دائرة ثقافة الطفل بوزارة الثقافة، ثم مستشارًا ثقافيًا في سفارة العراق في لندن، حيث ظل صوته الثقافي حاضرًا، حاملاً صورة المثقف العراقي إلى الخارج.
كان أحمد حقي عضوًا في اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، وفاعلًا في جمعية العلوم التربوية والنفسية، وشارك في مؤتمرات اليونسكو المعنية بشؤون الطفل، وهو ما جعله يُعدّ من الرواد الأوائل لأدب الأطفال في العراق. لم ينظر إلى الطفل بوصفه متلقيًا سلبيًا، بل باعتباره مشروع إنسان، ينبغي أن يُخاطَب بلغةٍ واعية تجمع بين المتعة والمعرفة، فكتب له، واشتغل على مناهج تعليمه، واضعًا نصب عينيه بناء عقلٍ متوازن.

وفي قاعة الدرس، كان اهتمامه منصبًا على فلسفة التربية، ذلك الحقل الذي يجمع بين الفكر والممارسة، بين النظرية والتطبيق. درّس هذه المادة في كلية التربية، وكتب فيها دراسات وبحوثًا أكاديمية، كما نشر مقالات في مجلات عراقية وعربية، اتسمت بالرصانة والوضوح.
أما نتاجه العلمي، فقد تنوّع بين التأليف التربوي والكتابة للطفل وتعليم الكبار، فصدر له “المحفوظات الطفلية” عام 1954، و“تعليم الكبار: مفهومه وميادينه” عام 1950، و“قراءة الراشدين” في أربعة أجزاء، و“قراءة لمحو الأمية الوظيفي”، و“أهداف تدريس اللغة العربية في المرحلة الابتدائية” و“تعليم العربية بطريقة الوحدة في الصفوف العليا” عام 1987، إلى جانب “محاضرات في أصول تدريس قواعد اللغة العربية” و“محاضرات في أصول التدريس”. كما ترجم أعمالًا مسرحية، منها “كنز الحمراء”، في دلالة على استمرار صلته الأولى بالمسرح، حتى وهو غارق في شؤون التربية والتعليم.
لم يكن أحمد حقي مجرد موظفٍ في جهاز التعليم، بل كان عقلًا تربويًا حيًا، يرى في المعرفة مشروعًا لبناء الإنسان، وفي الثقافة وسيلةً لترقية المجتمع. جمع في شخصيته بين الفنان والمعلم، بين الأكاديمي والمثقف، فبدا وكأنه يجسّد صورة المثقف الشامل الذي لا يكتفي بحقلٍ واحد، بل يتنقل بين الحقول ليصنع منها رؤية متكاملة.
وفي عام 1996، أسدل الستار على حياةٍ امتدت عقودًا من العطاء، فرحل في بغداد، المدينة التي احتضنت نضجه الفكري، تاركًا وراءه أثرًا لا يُختزل في كتبه ومناصبه، بل في تلك البصمة الخفية التي يتركها المعلم الحقيقي في عقول تلامذته، وفي وجدان الثقافة التي خدمها بصمت وإخلاص.

قد يعجبك ايضا