العراق بين الإستحقاق الدستوري ومسرح الصراعات السياسية!

 
 

عصام الياسري
 
في ظل تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. يشهد العراق في عام 2026 واحدة من أكثر مراحله السياسية تعقيدا منذ عام 2003، ولم يعد مجرد دولة متأثرة بما يجري في الإقليم، بل تحوّل إلى ساحة تفاعل مباشر لهذه المواجهة، بما ينعكس بوضوح على استقراره السياسي والأمني.
 
في هذا السياق، بات العراق جزءا من مسرح الصراع غير المباشر، حيث تنشط فصائل مسلحة في استهداف المصالح الأمريكية، ردا على الضربات الموجهة لإيران. هذا الواقع نقل البلاد من موقع المتأثر بالأحداث إلى طرف ميداني ضمن شبكة صراع إقليمي معقد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية حيث يحتل العراق موقعا محوريا في الاستراتيجية الإيرانية بوصفه عمقا جيوسياسيا مهما، فيما تحافظ الولايات المتحدة على حضور عسكري وسياسي مؤثر داخل أراضيه. وقد أفرز هذا التداخل حالة من “ازدواج السيادة”، حيث تتقاطع قرارات الدولة العراقية مع حسابات القوى الخارجية، الأمر الذي يحدّ من استقلالية القرار الوطني ويضعف مؤسسات الدولة.
 
غير أن تعقيد المشهد لا يقتصر على العامل الخارجي، بل يتجلى بوضوح في الأزمة السياسية الداخلية، وعلى رأسها أزمة انتخاب رئيس الجمهورية نزار سعيد آميدي، الذي تحول إلى نقطة توتر رئيسية بين الكتل السياسية المختلفة. فقد أدى الخلاف حول هذا الاستحقاق إلى تعميق الانقسام بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني من جهة، وائتلاف دولة القانون بقيادة نوري المالكي وتحالفات شيعية بارزة إلى جانب قوى ضمن الإطار التنسيقي من جهة ثانية. مما أدى إلى تعثر الاجتماعات وفشل في حسم المرشح النهائي للمنصب ضمن المهلة الدستورية.
 
هذا الانقسام لم يكن مجرد خلاف دستوري أو إجرائي، بل يعكس صراعا أعمق يتعلق بتوازن النفوذ داخل الدولة، وتقاسم السلطة بين المكونات السياسية. وقد أدى ذلك إلى تعطيل متكرر للاستحقاقات الدستورية، وإطالة أمد حالة الجمود السياسي، في وقت يحتاج فيه العراق إلى استقرار مؤسساتي لمواجهة التحديات المتزايدة. كما لا يمكن فصل هذه الأزمة عن التدخلات الخارجية التي تلعب دورا مؤثرا في توجيه مواقف الأطراف الداخلية. فلكل قوة سياسية امتدادات إقليمية أو دولية تدعمها أو تضغط عليها، ما يجعل من الاستحقاقات الدستورية، ومنها انتخاب رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة العتيدة، ساحة غير مباشرة للتنافس بين القوى الخارجية.
 
وفي هذا الإطار، تسعى إيران إلى الحفاظ على تماسك حلفائها داخل الإطار التنسيقي، بما يضمن استمرار نفوذها داخل بنية النظام السياسي، في حين تدفع أطراف دولية وإقليمية أخرى نحو إعادة تشكيل التوازنات بما يخدم مصالحها. ويؤدي هذا التشابك إلى تعقيد المشهد السياسي، وإعاقة أي محاولة للوصول إلى تسويات داخلية مستقلة.
 
اقتصاديا، يواجه العراق تحديات متزايدة، في ظل اعتماده الكبير على صادرات النفط، ما يجعله عرضة لتقلبات السوق والتوترات الإقليمية. ومع تصاعد احتمالات التصعيد في منطقة الخليج، تتزايد المخاوف من تأثر إمدادات الطاقة، سواء عبر تهديد المنشآت أو اضطراب طرق التصدير، وهو ما قد ينعكس سلبا على الإيرادات العامة ويعمّق الأزمات الداخلية.
 
في ضوء هذه المعطيات، يبدو مستقبل العراق مفتوحا على عدة سيناريوهات، تتراوح بين تصعيد شامل قد يحوّل البلاد إلى ساحة مواجهة مفتوحة، واحتواء هش يبقي الأزمات قائمة دون حلول جذرية، وصولًا إلى احتمال انفراج تدريجي في حال نجحت مساعي التهدئة الإقليمية وانعكست إيجابا على الداخل العراقي.
 
في المحصلة، يقف العراق اليوم عند تقاطع أزمتين متداخلتين: أزمة داخلية تتمثل في انقسام النظام السياسي وتعثر استحقاقاته الدستورية، وأزمة خارجية ناجمة عن صراع محاور إقليمي محتدم. وبين هذين المستويين، تتراجع قدرة الدولة على فرض سيادتها الكاملة، ويظل الاستقرار مرهونا بمدى قدرة القوى السياسية على بناء توافق وطني حقيقي، وتحييد البلاد عن صراعات الآخرين.
 

قد يعجبك ايضا