بهاء الأعرجي حين يتحدث الماضي المثقل ليقيّم الحاضر

صبحي مندلاوي

ليست المشكلة في تصريحٍ عابر، ولا في جملةٍ أُطلقت على عجل، بل في الصوت الذي يقف خلفها، وفي التاريخ الذي يحاول أن يمنحها وزنًا لا تستحقه.
حين يخرج بهاء الأعرجي ليصرح عن تصنيف مناصب ويختزل مؤسساتٍ قائمة في إقليم كوردستان وتجربةً سياسية معقدة في مقارناتٍ إدارية سطحية، فإن السؤال لا يتجه إلى مضمون الكلام بقدر ما يتجه إلى قائله: بأي رصيدٍ أخلاقي أو سياسي تُقال مثل هذه الأحكام؟
الرجل الذي تنقّل بين العناوين السياسية كما تتنقّل الريح بين الجهات، لا يبدو اليوم مؤهّلًا لأن يلعب دور المقيّم أو الحَكَم. من عباءة التيار الصدري إلى محطاتٍ أخرى، ومن خطابٍ إلى نقيضه، ظلّ الحضور مرتبطًا بالموقع لا بالمبدأ، وبالمنصب لا بالموقف. وحين يُستدعى الماضي، لا يأتي كذكرى عابرة، بل كظلٍ ثقيل، محمّل بأسئلةٍ لم تجد طريقها إلى الإجابة.
لقد عرف العراقيون جيدًا كيف تحوّلت بعض الأسماء خلال سنواتٍ قليلة من شخصياتٍ عادية إلى أصحاب ثرواتٍ تثير الدهشة، دون أن يرافق ذلك تفسيرٌ مقنع أو كشفٌ شفاف. وفي بلدٍ أرهقته ملفات الفساد، لا يكفي الصمت لتبرئة أحد، ولا يكفي مرور الزمن لمحو الشكوك.

وإذا كان السيد مقتدى الصدر قد اتخذ موقفًا حاسمًا في لحظةٍ ما، فإن تلك اللحظة لم تكن وليدة فراغ، بل نتيجة تراكماتٍ يعرفها القريب قبل البعيد ومع ذلك، بقيت كثير من الملفات معلّقة، وكأنها جزء من ذاكرةٍ مؤجلة لا يُراد لها أن تُفتح.
ولا يمكن أن تُمحى من ذاكرة المتابعين تلك الحادثة التي تحوّلت إلى رمزٍ دال، حين تلقّى الأعرجي قبل أيام ما بات يُعرف بالصفعة او ( الراشدي) من زميله مصطفى سند داخل قاعة مجلس النواب، مشهدٍ اختزل الكثير من الاحتقان الشعبي والسياسي، لم تكن مجرد واقعة عابرة بل لحظة كاشفة أظهرت كيف يمكن للخطاب المتخم بالاتهامات والادعاءات أن يرتد على صاحبه.
ثم يأتي اليوم من يقف بكل هذه الحمولة ليُطلق أحكامًا على تجربةٍ أخرى، تجربة استطاعت أن ترسم ملامح استقرار نسبي وأن تبني مؤسساتٍ تعمل وأن تخلق نموذجًا مختلفًا في الإدارة. إن حكومة وقيادة إقليم كوردستان ليست بحاجة إلى شهاداتٍ من شخصياتٍ يطعن تاريخها وفي مصداقيتها، ولا تنتظر تقييمًا ممن لم يُقدّموا نموذجًا يُحتذى به.
المفارقة أن من يتحدث اليوم بلغة التصنيف والتقليل يقف في ذاكرة الناس بوصفه جزءًا من أزمةٍ أكبر لا جزءًا من حل. فكيف لمن لم يُجب عن أسئلة الأمس أن يطرح أسئلة اليوم؟ وكيف لمن تلاحقه الشبهات أن يمنح دروسًا في الإدارة؟
إن الصمت الذي تبديه حكومة الإقليم تجاه مثل هذه التصريحات لا يبدو عجزًا، بل اختيارًا واعيًا، فبعض الردود لا تليق إلا بالصمت، وبعض الأصوات لا تكبر إلا حين نمنحها مساحة أكبر مما تستحق.
في النهاية تبقى الحقيقة أبسط من كل هذا الضجيج، ليست كل الكلمات جديرة بالرد، وليس كل من يتحدث يستحق أن يُصغى إليه، وفي زمن اختلطت فيه المعايير يصبح التمييز بين الصوت الحقيقي والضجيج مسؤولية وعي قبل أن يكون موقفًا.

قد يعجبك ايضا