الحرب وألآم النفس !!

اسعد الأمارة 

كما تترك الذكرى السارة في النفس حدثًا ، تترك الحرب آثارًا عميقة في النفس ، وكأن النفس هنا مكب لنفايات للعالم الخارجي في أنفسنا ، سؤالنا كيف ندرك هذا الحدث ؟ هل النفس تراه حدث عابر أم جرح نرجسي عميق ترك شرخًا مثلما تحدث الصدمة النفسية ؟ وعند من ؟ هل الجميع إدراكهم يتساوى لهذا الحدث النفسي المدرك من الخارج ؟  أني أراك ليس كما أنت تراني ، وهو الأمر بعينه ينطبق على الحرب ومجراها ، سواء كنت مشارك فيها ، أم مراقب خارجي يرصد أحداثها ، أو منفعل بسبب المعتقد الذي تحمله وتؤمن به ، أو الدفاع عن شخصية مقدسة ، أو جهاد جمعي للمشاركة في الحرب للدفاع عن الدين ، أو المذهب ، أو الوطن . يقول سيجموند فرويد مؤسس التحليل النفسي نحن عاجزون عن إدراك مغزى ما نزخر به من أحاسيس ، ولا ندري قيمة ما يصدر عنا من أحكام ، ونحن مدفوعين إلى الاعتقاد أن الحرب كانت أبدًا أعتى الأحداث وأوسعها تدميرًا لكل ما له قيمة إنسانية ، ولم يحدث أن ضلل أذكى العقول ولأسفه شيء أسمى ما عرفه الإنسان بقدر ما تفعل الحرب.. ويضيف ” فرويد” قوله حتى العلم يفقد حياده ويتوسل به علماؤه لاختراع أسلحة تلحق الهزيمة بالأعداء . ونقول لا ننسى بأن هؤلاء الأعداء الذين نحاول أن ندمرهم هم بشر ، وأسر ، وأطفال ، ونساء ، لكن ننسى أن الهدف في كل هذا التدمير والفتك بالآخر هو بدافع سياسي لبس لبوس الدفاع عن المذهب – الدين ، الوطن ، الإنسانية من فكر متعصب ، ولكن الهدف هو المال والأقتصاد وما يجنيه الساسة من نجاحات في أهدافهم مهما كانت فهي قذرة .  كلٌ منا يرى أحداث ما يجري في الحرب وهو غير مشارك فيها وفعال برؤية إدراك نفسه للحدث الخارجي، فإما دفاعًا عن الدين ، أو السطوة ، أو المكانة الدولية ، وما يعنينا هو إدراكه الداخلي ، وهو معيار التقييم ، فالإنسان معتدى عليه بدون توقف ، وملاحق بهذه الأحداث ، يجد نفسه مهددًا في استمرارية وجوده ، هذا الإنسان منذ فجر التأريخ كان يدرك الخوف من عالمه الخارجي من الحيوانات المفترسه ، من الأعاصير ، من الغيوم التي تحمل الأمطار الكثيفة ، ومن السحب ، مع كل تلك يدرك الخطر من نظيره الإنسان في هيجانه ونزعاته العدوانية وتجسدت في حضارتنا الحالية بشكل أوضح ، فالنفس تدرك الحدث الخارجي وتتعامل معه كما بنيت ” بنية” النفس وتكونت ، فالنفس في بناءها الداخلي تحدد مسارات استجاباتها ، أما في الهلع ، أو امتصاص الصدمة وكبتها ، أو التعايش معها لحين زوالها حتى وإن تحققت أهدافها بالانتصار والفوز على العدو وقول المحلل النفسي ” عدنان حب الله ” منذ فرويد وإبراهام وفرنزي ظلت العاقبة الذاتية للصدمة غامضة وتقاوم الكشف عن سرها . فلا غرو أن نجد ضحايا الحرب ما بعد الحرب ، لا ببتر السيقان ، أو فقدان عين من العينين ، أو جرح عميق ترك أثرًا في الجسد ، بل في النفس ، وما حمل من خيالات وصدمات لا تمحى ، ولن تمحى أبدًا ، فالإنسان قبل الحرب ليس هو الإنسان بعد الحرب ، حتى وإن أغدق عليه الساسة وتجار الحروب ومن يصنع الأسلحة والعتاد ومعامل المتفجرات من أموال وعطايا ومكرمات ونياشين ، تبقى النفس مجروحة.  في الحرب يدرك الفرد العالم الخارجي بنوعين هما نوع ينتظم إدراك الأفعال الحركية التي قام بها وتعامل مع المحيطين به مع أقرب الناس من أسرته وأبناءه واخوته وأنعكس ذلك بشكل واضح على ما تئن به النفس من أثقال وأحمال حيث نراه كما تعكسه ، وآخر يشتمل على الإحساسات المباشرة بكل أنواعها التي تصبغ الحالة الوجدانية بما نسميه ” مسحتها” الغالبة كما يقول فرويد .  في الحرب تظهر خبايا النفس لا كونها ردات فعل للذات فحسب ، ولا بنتائج ما آلت إليه النفس بسبب حدث الحرب ، بل ما خزنت من موضوعات ” متغيرات” عميقة منذ الطفولة ، فطفولة الفرد تبين لنا ما يلي : فإذا كان الخوف من كل شيء خارجي يجسمه الطفل بداخله ليتحول إلى حالة رعب ومن ثم رهاب – فوبيا ، فإن هذا التكوين يقود صاحبه في حالة الحرب إلى تضخيم الحدث ، وإذا كان تكوين الشخص الوساوس ، أو الأوهام ، أو غيرها ظهر ذلك بشكل مضخم ولا نغالي إذا قلنا أن الحرب هي كشف للبنية النفسية .. وتلميع الصدء المغمور في داخلها.  سمى علماء النفس المرضي والتحليل النفسي هذا الموقف الخارجي وإنعكاسه للعالم الداخلي للإنساني بأنه العصاب الصدمي . ويرى ” فرويد” إن الحصر- القلق الطفلي لا يكاد يشترك في شيء مع الحصر – القلق الواقعي الموضوعي الخارجي ، بل هو على العكس ، يقترب أقترابًا كبيرًا من الحصر – القلق العصابي عند الكبار الناضجين. وهو كالحصر – القلق العصابي ، ففي الحرب ينفجر ما في داخل النفس من تكوينات نفسية بُنيت بسبب التربية داخل الأسرة فضلا عن إدراك الطفل تلك التربية بأنها خوف ، أو عقاب ، أو شيء مسر ، هنا يتفجر الموقف في البلوغ ويعود المكبوت ، عودة المكبوت كانت فعلا خارجيًا بسبب إدراك خطر الحرب مثلا ، أو أي صوت داخل البيت ، أو صياح الأطفال ولو كان بلعب في البيت .

يفسره الشخص خطر خارجي ، وهو في الحقيقة قفز المكبوت وكأنه يُعرفهُ عن نفسه من تلك التربية في سنوات الطفولة ، واستعدادات الطفل لإدراكها كما يعتقد .  يمكننا القول بأن العامل الداخلي وتكوين الإنسان وما ضمت النفس في عالم اللاشعور – اللاوعي من خبرات تعود وتتكلم بصوت مسموع وواضح في سلوك أي منا في مواقف الحياة المتنوعة بعد ذلك في البلوغ ، فربما يتفجر ما بداخل الإنسان من الشر بأوسع معانيه ، فتكون السادية هي السمة البارزة أثناء الحرب ” السادية وتعني إنزال الألم بالآخرين ، أو إذلالهم بقصد الحصول على الإشباع أو اللذة ” ومن يرغب في الفعل العملي بها .  تدلنا رؤيتنا النفسية التحليلية بأن من يدعو بالمشاركة الفعالة في تأجيج حمى الحرب ويطلب المشاركة فيها وهو خارج أطرها فإن هناك مكونات شبقية عظيمة داخلة في مكونات نفسه وهي غرائز الأنانية وكره الآخر مهما كان دينه أو لونه ، ولا يفوتنا بأن الأمم التي تدخل الحرب هي لإهداف معلنة وغير معلنة ولديها مصالح معينة ، ونقول بأن الفائز ليس شرط من يملك السلاح المتطور ، والأفضل ، أو من يستخدمه على نحو أبرع ، فالسيادة الوحشية للأمريكان في فيتنام وافغانستان لم تحقق له النصر ، أو الفوز ، بل كان التفكير عند الخصم هو الذي أحدث الهزيمة في القوات الغازية . التفكير والوحدة تصنع القوة ومن ثم تصنع الهزيمة في العدو وهي مسألة سيكولوجية بحتة .

قد يعجبك ايضا