احمد زبير باني
في سجلّ المدن، ثمة حواضرُ تُخلَّد لأنها انتصرت، وأخرى لأنها اندثرت، لكن حلبجة دُوّنت في التاريخ لأنها كانت “المرآة” التي كشفت قبح العالم. هي ليست مجرد مدينة في كوردستان، بل جرحٌ غائرٌ في ذاكرة الإنسانية، لا يلتئم ولا ينسى.
كانت حلبجة وادعة، تنبضُ بحياةٍ بسيطة في قلب كوردستان. كان الأهالي جميعاً، بصغارهم وكبارهم، يترقبون قدوم نوروز؛ رأس السنة الكوردية، وعيد التحرر والربيع الذي تتجدد فيه الوعود. كانوا ينسجون خيوط الفرح، ويعدّون العدة لاستقبال فجرٍ يطرد برد الحرب الطويلة بين العراق وإيران، ويغسل ندوبها. لم يدركوا أن الطغيان لا يبالي بقدسية الأعياد، وأنه كان يتربص بهذه البساطة ليحول نوروزهم الذي ينتظرونه إلى رمادٍ لا يطفئه إلا ألم الذاكرة الأبدية.
في صباح 16 مارس 1988، لم تكن طائرات النظام الفاشي في بغداد تحمل قنابل فحسب، بل كانت تحمل “تجربةً شيطانية” في الإبادة الجماعية. سقطت القنابل، لكن الموت لم يقرع طبول الانفجار، بل تسلل بصمتٍ جنائزي؛ غازاتٌ سامة استباحت الرئات، وأوقفت الزمن في أجساد الأمهات وأطفالهن، لتتحول المدينة في لحظات إلى مسرحٍ مرعب لا يُصدق: ناسٌ سقطوا في أماكنهم، وأطفالٌ ماتوا وهم يحلمون، وأمهاتٌ احتضنّ أبناءهن في لحظةٍ أخيرة من الحب قبل أن يختنق العالم.
لقد سقط أكثر من خمسة آلاف إنسان، لكن حلبجة لم تكن الضحية الوحيدة؛ فقد كانت جزءاً من حملة “الأنفال” الممنهجة، التي لم تستهدف البشر فحسب، بل استهدفت الهوية والذاكرة، محاولةً مسح كوردستان من الخريطة، وتحويل شعبها إلى ظلٍ بلا صوت.
لقد نسي الطغاة حقيقةً أبدية: أن المدن قد تُباد، لكن الذاكرة لا تموت.
وُلدت من رحم الفاجعة صورة “الأب الذي يحتضن طفله”؛ تلك الصورة لم تكن مجرد مشهدٍ عائلي، بل كانت اتهاماً صارخاً لعالمٍ آثر صمت المصالح على صرخة المظلوم. لقد رأى العالم الجريمة، لكنه كان “أعمى” بالسياسة، و”أصمّ” عن رائحة الموت التي ملأت المدينة.
اليوم، لا يتذكر الكورد حلبجة كمدينةٍ مكلومة فحسب، بل كدرسٍ أخلاقيٍّ حي. لقد نهضت المدينة من تحت الأنقاض، لكنها حملت معها عهداً: ألا تظل الذاكرة حبيسة الألم، بل أن تتحول إلى فعل مقاومة.
إن حلبجة ليست مجرد نقطة على الخريطة؛ إنها صرخةٌ دائمة في وجه الظلم، وتذكيرٌ بأن الحقيقة، وإن كُفّنت بالغازات، تظل دائماً أكثر صموداً من القاتل. لأن الإنسان قد يُقتل، لكن قصته تظل شعلةً لا تنطفئ، تلاحق الطغاة في كوابيسهم، وتذكرنا بأن العدالة ليست مجرد نصٍ في كتاب، بل موقفٌ يرفض الانكسار.
حلبجة، بكل ألمها وبكل صمودها، ستظل درساً خالداً في قوة الذاكرة، وصرخة مستمرة في وجه الظلم، وإشعاعاً للضمير البشري الذي يرفض أن يُقتل معه الإنسان