رئيس شؤون الشرق الأوسط في مجلس الذهب العالمي لـ”اندبندنت عربية”: الأخطار الجيوسياسية وتقلبات الطاقة وعدم اليقين الاقتصادي تعيد المعدن الأصفر لدائرة اهتمام المستثمرين

 

 

 

كفاية أولير صحافية

قال رئيس شؤون الشرق الأوسط والسياسات العامة في مجلس الذهب العالمي أندرو نايلور، في حوار لـ”اندبندنت عربية”، إن الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران أدت إلى تصعيد حاد في التوترات الجيوسياسية، مما عزز الإقبال على الذهب كملاذ آمن، ودفع الأسعار لمواصلة الارتفاع في ظل بيئة سوقية قوية أصلاً.

وأضاف أن هذه التطورات أعادت تركيز المستثمرين على الأخطار الجيوسياسية، وتقلبات أسواق الطاقة، وحالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي، وهي عوامل كثيراً ما دعمت الطلب على الذهب.

وأشار إلى إنه خلال عام 2025، سجل الذهب مستوى قياسياً جديداً بلغ 53 دولاراً مع وصول متوسط سعره في الربع الأخير إلى 4135 دولاراً للأونصة، بزيادة 55 في المئة على أساس سنوي.

ويعكس هذا الأداء على حد قوله أكثر من مجرد تفاعل موقت مع أحداث سياسية، إذ تشير المؤشرات إلى تحول هيكلي أوسع في سوق الذهب، مدفوعاً باستمرار الاضطرابات الجيوسياسية وتزايد توجه المستثمرين نحو الذهب كأداة للتحوط وتنويع المحافظ.

وأوضح نايلور إلى إنه وعلى رغم أن تحركات الأسعار على المدى القصير قد تتسم بالتقلب، فإن التصعيد الجيوسياسي (مثل ما نشهده حالياً مع إيران) غالباً ما يعزز مكانة الذهب داخل المحافظ الاستثمارية، بدلاً من أن يغير أسسه على المدى الطويل.

 

الذهب ملاذ آمن
وبسؤال نايلور عن إن كان الذهب الذي ينظر إليه تاريخياً على أنه ملاذ آمن خلال الأزمات، قادر على تأدية هذا الدور في ظل التطورات الراهنة أم تطورت وظيفته؟ فقال لم تقتصر مكانة الذهب كملاذ آمن على الاستمرار، بل ازدادت ترسخاً في ظل تصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي والتقلبات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

وأضاف ينظر إلى الذهب اليوم كأصل استراتيجي ومحوري لحفظ القيمة وتنويع المحافظ الاستثمارية، إذ يوفر السيولة ويسهم في تعزيز القدرة على الصمود أمام الأزمات، مع دعم العوائد على المدى الطويل.

وقال نايلور أن هذا التأكيد على مكانة الذهب يعكس دوره المتزايد كحل موثوق للمستثمرين في مواجهة التقلبات وعدم الاستقرار في المشهدين الاقتصادي والسياسي عالمياً.

 

عوامل تدعم الطلب المرتفع على الذهب في 2026
وعن استمرار الصراعات، وعدم اليقين في أسواق الطاقة، والتشرذم السياسي في أجزاء من المنطقة، وإن كان يتوقع زيادة إضافية في الطلب الإقليمي على الذهب؟
أشار نايلور إلى أن عام 2025 شهد مستويات قياسية في إجمال الطلب على الذهب، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين الاقتصادي، وهو ما عزز مكانة الذهب كملاذ آمن.
وتوقع أن تستمر هذه العوامل في دعم الطلب المرتفع على الذهب خلال عام 2026، وعلى الصعيد العالمي، يرجح أن تظل التوترات الجيوسياسية محركاً رئيساً لأداء الذهب هذا العام، إلى جانب عوامل أخرى مثل حالة عدم اليقين في أسواق السندات، التوقعات بخفض أسعار الفائدة، والضغوط المستمرة على الدولار الأميركي.

وقال نايلور إنه على رغم أن الطلب على المجوهرات قد يبقى محدوداً، إلا أن أسعار الذهب بالدولار الأميركي يتوقع أن تظل مرتفعة، كما تشير التوقعات إلى استمرار الطلب القوي من البنوك المركزية، مما يعزز مسار الطلب الإجمالي على الذهب في 2026.

أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فرجح نايلور أن يواصل المستثمرون والأسر التوجه نحو الذهب كوسيلة للتحوط من حالة عدم اليقين وحفظ الثروة.

معادلة الفائدة والذهب
وحول تفاعل السياسات الحالية والمتوقعة لأسعار الفائدة عالمياً خصوصاً في الولايات المتحدة وأوروبا مع أسعار الذهب؟ ومتى تبدأ الفوائد المرتفعة بإحداث ضغط ملموس على الذهب؟ فأشار نايلور إلى أنه عادة ما يرتبط أداء الذهب بعلاقة عكسية مع العوائد الحقيقية على المدى المتوسط والطويل.

وأوضح “عندما تتراجع العوائد الحقيقية أو تبقى عند مستويات منخفضة، تصبح كلفة الاحتفاظ بالذهب أقل مقارنة بالأصول المدرة للعائد، مما يوفر دعماً إضافياً لأسعار الذهب، وفي الفترة الأخيرة، أسهمت توقعات خفض أسعار الفائدة في تعزيز زخم الذهب بصورة ملاحظة”.

وأضاف من جهة أخرى، يظهر تأثير الفائدة المرتفعة بوضوح عندما ترتفع العوائد الحقيقية (بعد احتساب التضخم) إلى مستويات إيجابية ومستقرة لفترة ممتدة، فتاريخياً، عندما تستقر العوائد الحقيقية فوق نطاق 1.5 في المئة إلى اثنين في المئة لفترة طويلة، يشهد الطلب على الذهب تراجعاً، ومع ذلك يمكن أن تحد من هذا التأثير عوامل مثل استمرار الضغوط التضخمية أو تصاعد الأخطار الجيوسياسية، التي تلعب دوراً مهماً في دعم الطلب على الذهب حتى في ظل ارتفاع العوائد الحقيقية”.

 

موجة شراء البنوك المركزية للذهب
وبسؤاله عن موجة الشراء القوية للذهب من البنوك المركزية خلال الأعوام الأخيرة، وعن أبرز المحركات وراء هذا التوجه؟ وهل يتوقع أن تتسارع هذه الموجهة في 2026؟
فأجاب “البنوك المركزية تعد من أبرز المشترين الصافيين للذهب على مدار أكثر من 15 عاماً، إذ شهدت مشترياتها ارتفاعاً ملاحظاً في السنوات الأخيرة، ففي عام 2025 تجاوز إجمال مشتريات البنوك المركزية 800 طن، مدفوعة برغبة الأسواق الناشئة في تنويع احتياطاتها وإدارة الأخطار الجيوسياسية والاقتصادية”.

ويرى نايلور أن هذا التوجه يعكس استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تقليل الاعتماد على العملات النقدية الرئيسية، مثل الدولار الأميركي، وتعزيز الأصول التي تحافظ على قيمتها على المدى الطويل.

وتوقع أن يظل هذا الاتجاه قوياً في عام 2026، على رغم أن احتمال تباطؤ وتيرته مقارنة بالمستويات القياسية التي سجلتها أخيراً، كما توقع أن تستمر الدوافع الأساسية لهذا التوجه (إدارة الأخطار، وتنويع الأصول، والحفاظ على القيمة على المدى الطويل).

وبسؤاله إلى أي مدى يمكن أن تؤدي التغييرات في استراتيجيات إدارة الاحتياطات إلى زيادة تراكم الذهب لدى البنوك المركزية، لا سيما في الأسواق الناشئة والبلدان في جنوب الكرة الأرضية؟
أشار نايلور إلى أنه وفقاً لأحدث استطلاع أجري عام 2025 حول سياسات البنوك المركزية، أبرز مديرو الاحتياطات مجموعة من الأسباب التي تدفعهم إلى زيادة حيازاتهم من الذهب خلال العام المقبل.

وأضاف أنه كان من بين أبرز هذه العوامل الأداء القوي للذهب في أوقات الأزمات، ودوره في تنويع المحافظ الاستثمارية، وقدرته على التحوط ضد التضخم، إضافة إلى تواصل البنوك المركزية تقدير الخصائص الفريدة للذهب كأصل استراتيجي، إذ ينظر إليه باعتباره أداة فعالة لتخزين القيمة وحماية الاحتياطات، خصوصاً في أوقات عدم الاستقرار الاقتصادي.

وقال إن الذهب يبقى دوره كوسيلة تنويع موثوقة أحد الأسباب الرئيسة، التي تجعل الذهب جزءاً أساساً من خطط إدارة الاحتياطات لدى عدد من البنوك المركزية.

 

أسعار الذهب ومخاوف الفقاعة
وعما يعتقد به بعض المحللين من أن أسعار الذهب تدخل نطاق مرحلة “الفقاعة”، بينما يعتقد بعضهم الآخر أن الأسعار مبررة من الناحية الاقتصادية الأساسية، وكيف يرى أسعار الذهب من وجهة نظره وإن كان يعتقد أن تقييم الذهب مبالغ فيه حالياً، أم أن سعره عادل، أم أن سعره لا يزال أقل من قيمته الحقيقية؟

فأجاب “في ظل وصول أسعار الذهب إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، تجمع المؤسسات الكبرى على أن هذه الأسعار تستند بصورة أساسية إلى طلب قوي ومستدام، إلى جانب استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي، وزيادة وتيرة عمليات الشراء من البنوك المركزية. ويظهر السوق تحولاً هيكلياً في الطلب وإعادة تقييم للأخطار، مما يعكس أساسيات قوية أكثر من كونه نتيجة لفائض في المضاربة”.

 

مستقبل أسعار الذهب
وعن العوامل الرئيسة التي تؤدي عادة إلى ارتفاع أو انخفاض أسعار الذهب على المدى القصير في مقابل المدى الطويل؟
قال نايلور “على المدى القصير، غالباً ما تتأثر أسعار الذهب بالظروف المالية وحجم الشعور بالمخاطرة، بما في ذلك أسعار الفائدة الحقيقية، وتقلبات العملات، وبصورة حاسمة فترات التوتر الجيوسياسي وعدم اليقين في الأسواق، التي يمكن أن تؤدي إلى زيادة الطلب على الملاذات الآمنة، ومع ذلك على المدى الطويل، يتشكل أداء الذهب بدرجة أكبر بفعل الأسس الاقتصادية الكامنة، بما في ذلك النمو الاقتصادي، وتوقعات التضخم، والطلب المستدام من المستثمرين والمستهلكين والبنوك المركزية”.

 

وحول كيفية مقارنة توقعات التضخم بالأخطار الجيوسياسية من حيث تأثيرها في أسعار الذهب اليوم؟
فأشار نايلور إلى أن توقعات التضخم والأخطار الجيوسياسية تعد من العوامل المهمة التي تؤثر في أسعار الذهب.

 

الابتكارات المالية والأصول الرقمية وجاذبية الذهب
وعن إذا ما كان يمكن للتغيرات التكنولوجية، أو الابتكارات المالية، أو الأصول الرقمية أن تخفض من جاذبية الذهب في المستقبل، أم أنها تعزز دوره؟
يعتقد نايلور أن الابتكارات التكنولوجية والتطورات المالية، مثل ظهور الأصول الرقمية ومنتجات الذهب المعتمدة على تقنية البلوك تشين، تسهم في إحداث نقلة نوعية في تحديث الأسواق المالية، بما في ذلك سوق الذهب.

وبدلاً من تقليل جاذبية الذهب، تسهم هذه التطورات في تعزيز دوره من خلال تحسين مستويات الشفافية، ورفع الكفاءة، وزيادة السيولة، مع الحفاظ على خصائصه الأساسية التي تظل داعماً رئيساً لجاذبيته المستدامة.

 

مؤشرات على المستثمرين مراقبتها
وبسؤاله عن المؤشرات التي يجب على المستثمرين في الشرق الأوسط مراقبتها عن قرب عند تقييم الاتجاه المستقبلي لأسواق الذهب؟

يرى نايلور أن هناك عدداً من المؤشرات والاتجاهات التي يتوجب على المستثمرين في الشرق الأوسط مراقبتها عن كثب، ومن أبرزها التطورات الجيوسياسية على المستويين الإقليمي والعالمي، واتجاهات شراء الذهب من البنوك المركزية واستراتيجيات إدارة الاحتياطات، إضافة إلى سياسات أسعار الفائدة العالمية، خصوصاً تلك الصادرة عن الولايات المتحدة وأوروبا. كما تشمل هذه المؤشرات اتجاهات التضخم، وتقلبات العملات، والتطورات التكنولوجية المتعلقة بتداول الذهب والأصول الرقمية.

نقلا عن موقع انديبندنت عربية

 

قد يعجبك ايضا