جواد ملشكاهي
تمرّ الذكرى الثامنة والثلاثون لفاجعة قصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيماوية، وما زالت تلك المأساة الإنسانية محفورةً في ضمير التاريخ كواحدة من أبشع الجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين العزل في العصر الحديث. ففي السادس عشر من آذار عام 1988، وخلال أيام دامية من حرب مدمرة بين العراق وايران، تحولت سماء المدينة الهادئة إلى غيمة من الموت، عندما أقدم نظام صدام حسين على قصفها بالغازات السامة، في جريمة مكملة لعمليات الأنفال السيئة الصيت، التي استهدفت شعب كوردستان.
في ذلك اليوم المشؤوم، سقط اكثر من خمسة آلاف شهيد من الأطفال والنساء والشيوخ في لحظات قليلةومايزيد على عشرة آلاف أصيبوا بجروح مختلفة مختلفة جراء استنشاق الغازات السامة، بينما اختنقت الحياة في الأزقة والبيوت والحقول. لم يكن الضحايا مقاتلين في ساحة الحرب، بل كانوا مدنيين أبرياء، حلمهم الوحيد أن يعيشوا بسلام على أرضهم. وهكذا أصبحت حلبجة رمزًا للألم الإنساني، وشاهدًا حيًا على وحشية استخدام السلاح الكيماوي ضد شعب أعزل.
لكن المأساة لم تنتهِ بانتهاء ذلك اليوم. فبعد مرور 38 عامًا، ما زالت آثار الجريمة ماثلة في حياة آلاف الناجين. كثير من المصابين ما زالوا يعانون أمراضًا مزمنة ومعقدة في الجهاز التنفسي والجلد والعيون، فضلاً عن ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية بين الأجيال اللاحقة. إنهم يحملون في أجسادهم وذاكرتهم ندوب تلك الفاجعة، ويعيشون معاناة يومية تذكّر العالم بأن الجريمة لم تنتهِ آثارها بعد.
كما أن البيئة في المدينة وضواحيها ما زالت تعاني من آثار التلوث الذي خلّفته المواد السامة. فالأرض التي شهدت تلك الكارثة تحتاج إلى جهود علمية وطبية وبيئية مستمرة لإزالة ما تبقى من آثار السموم، وضمان حياة صحية وآمنة للأجيال القادمة.
ومن هنا، فإن المسؤولية الأخلاقية والوطنية تقع اليوم على عاتق الحكومة الاتحادية العراقية، التي ينبغي أن تبادر إلى اتخاذ خطوات عملية وجادة لدعم ضحايا حلبجة. إن واجب الدولة لا يقتصر على استذكار المأساة في المناسبات السنوية، بل يجب أن يترجم إلى برامج علاجية شاملة للمصابين، وتوفير الرعاية الصحية المتقدمة لهم داخل العراق وخارجه، فضلاً عن إطلاق مشاريع حقيقية لمعالجة التلوث البيئي وإعادة تأهيل المدينة المنكوبة.
إن حلبجة ليست مجرد مدينة في ذاكرة التاريخ، بل هي جرح مفتوح في ضمير العراق والإنسانية. والوفاء لضحاياها لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالفعل المسؤول والعدالة المستمرة. فتكريم الشهداء يعني حماية الأحياء، ومساندة من نجوا من الموت ليعيشوا بكرامة.
ستبقى حلبجة، رغم الألم، مدينة للصمود والذاكرة. مدينة علّمت العالم أن الشعوب قد تُستهدف بالغازات السامة، لكنها لا تموت. وأن العدالة، مهما تأخرت، تظل مطلبًا أخلاقيًا وإنسانيًا لا يسقط بالتقادم.