نوري جاسم …
يضع القرآن الكريم الإنسان أمام حقيقةٍ تربوية عميقة مفادها أن الإيمان لا يكتمل بالكلمات وحدها، بل يتحقق حين تتحول الكلمات إلى أعمال. ومن هنا يتضح الفرق الدقيق بين الحمد والشكر؛ فالحمد غالبًا يكون بالقول واللسان، أما الشكر فهو بالعمل والسلوك. ولهذا امتلأ القرآن الكريم بالحمد على ألسنة الأنبياء والصالحين، لأن اللسان يعبّر عن الاعتراف بنعم الله، بينما جاءت أوامر الشكر مقرونة بالفعل والعمل. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الفاتحة: 2)، فالحمد هنا إعلان باللسان بأن كل النعم من الله، وهو ثناءٌ لفظي يعترف فيه الإنسان بفضل ربه ورحمته. لكن القرآن لا يكتفي بهذا الاعتراف اللفظي، بل يدعو إلى ما هو أعمق من ذلك، وهو تحويل النعمة إلى عمل صالح، ولهذا قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (سورة سبأ: 13)، فجعل الشكر عملًا، لأن الشكر الحقيقي هو أن يستعمل الإنسان النعمة فيما يرضي الله. ولذلك أكد القرآن هذه القاعدة بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (سورة إبراهيم: 7)، فالزيادة في النعم مرتبطة بالشكر العملي الذي يظهر في السلوك والطاعة. ومن هنا نفهم أن الإسلام لا يريد من الإنسان أن يكتفي بترديد الحمد بلسانه، بل أن يجعل حياته كلها ترجمةً لهذا الحمد. وقد جسّد النبي سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هذا المعنى حين كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، فلما سُئل عن ذلك قيل له: لم تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: “أفلا أكون عبدًا شكورًا”، فكان عمله وعبادته صورةً عملية للشكر، ليعلّم الأمة أن الشكر ليس مجرد كلمات بل عبادة وسلوك. وعلى هذا النهج سار أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام، فقد روي عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قوله: “الشكر زينة الغنى”، وقوله أيضًا: “دوام النعمة في شكرها”، لأن النعمة إن لم تُحفظ بالشكر العملي قد تزول، أما إذا استُعملت في الخير فإنها تدوم وتبارك. وفي مدرسة التصوف الصادق التي تقوم على تزكية النفس وتطهير القلب، يؤكد مشايخ الطريقة العلية القادرية الكسنزانية أن الشكر هو أن يرى الإنسان النعمة من الله وحده، فيزداد تواضعًا وخدمةً للناس، فلا يجعل النعمة سببًا للتكبر أو التفاخر، بل
وسيلةً لنشر الخير والمحبة والإصلاح. فالعلم يُشكر بتعليمه، والمال يُشكر ببذله في الخير، والقوة تُشكر بنصرة الضعفاء، والمكانة تُشكر بخدمة المجتمع. وهكذا يتحول الشكر إلى منهج حياة، لا إلى حالة لفظية عابرة. وعندما يجتمع الحمد بالقول مع الشكر بالعمل يكتمل معنى العبودية لله، لأن اللسان يعلن الاعتراف بالنعمة، والجوارح تثبت صدق هذا الاعتراف بالفعل والسلوك. ولهذا ختم القرآن هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سورة سبأ: 13)، لأن الشكر الحقيقي يحتاج إلى وعيٍ وإخلاصٍ وتحويل النعمة إلى رسالة خيرٍ في الحياة. وحين يدرك الإنسان هذا المعنى يصبح الحمد عنده كلمة نورٍ على اللسان، ويصبح الشكر عملًا دائمًا في الميدان، فيتحقق التوازن بين القول والعمل، ويصبح الإنسان عبدًا حامدًا شاكرًا في آنٍ واحد. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..