د. عصام البرّام
تمرّ هذا العام الذكرى الثالثة والعشرون بعد المئة لميلاد الزعيم الكردي التاريخي الملا مصطفى البرزاني، أحد أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ النضال الكردي، خلال القرن العشرين. فقد ارتبط اسمه بالنضال من أجل حقوق الشعب الكردي، وبالتحولات الكبرى التي شهدتها الحركة الكردية في العراق، حتى أصبح رمزاً وطنياً في الذاكرة الكردية الحديثة.
وُلد الملا مصطفى البرزاني عام 1903 في منطقة بارزان بكوردستان العراق ،في بيئة جبلية عُرفت بروحها القبلية واستقلاليتها. نشأ في أسرة دينية واجتماعية لها حضورها في المجتمع الكردي، وكان شقيقه الأكبر الشيخ أحمد البرزاني أحد القادة المعروفين في المنطقة. وقد تأثر البرزاني منذ صغره بالأجواء السياسية والنضالية التي أحاطت بحياته، فكانت الجبال الكردية مدرسته الأولى في الصمود والقيادة.
من المقاومة المحلية إلى القيادة القومية
دخل البرزاني مبكراً في صفوف الحركات الكردية المطالبة بالحقوق القومية. ومع مرور السنوات أصبح أحد أبرز قادة المقاومة الكردية في كوردستان العراق. وتميّز بأسلوب قيادة يجمع بين الشجاعة الميدانية والقدرة على كسب ولاء المقاتلين، الأمر الذي عزّز مكانته داخل المجتمع الكردي.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية برز دوره بصورة أوضح، خصوصاً عندما شارك في التجربة السياسية الكردية في جمهورية كوردستان عام 1946، وهي أول تجربة لإقامة كيان سياسي كردي في العصر الحديث. وقد تولّى فيها دوراً عسكرياً مهماً إلى جانب القيادة السياسية للجمهورية، قبل أن تسقط هذه التجربة بعد أقل من عام نتيجة التغيرات الإقليمية والدولية.
وبعد سقوط الجمهورية اضطر البرزاني مع عدد من رفاقه إلى اللجوء إلى الاتحاد السوفيتي، حيث أمضى سنوات في المنفى. ورغم قسوة الغربة، فقد كانت تلك الفترة فرصة للاطلاع على تجارب سياسية مختلفة، وهو ما انعكس لاحقاً على رؤيته للعمل السياسي والتنظيمي.
تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني
يُعد البرزاني المؤسس التاريخي للحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1946، وهو الحزب الذي أصبح لاحقاً أحد أهم القوى السياسية الكردية في العراق. وقد سعى من خلاله إلى تنظيم الحركة السياسية الكردية ضمن إطار حزبي يعبّر عن تطلعات المجتمع الكردي في الحرية والاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية. وقد لعب الحزب دوراً محورياً في توحيد النخب السياسية والقبلية حول برنامج سياسي واضح، الأمر الذي أسهم في تحويل الحركة الكردية من نشاطات محلية متفرقة إلى حركة سياسية أكثر تنظيماً وتأثيراً.
العودة إلى العراق وبداية مرحلة جديدة
بعد سنوات المنفى عاد البرزاني إلى العراق عام 1958 عقب قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أنهت الحكم الملكي. وقد استقبله الشعب العراقي بجميع مكوناته آنذاك استقبالاً حافلاً، حيث رأى فيه كثيرون رمزاً للنضال وقائداً قادراً على الدفاع عن حقوقهم.
ومع عودته بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الحركة الكردية، إذ عمل على إعادة تنظيم الصفوف السياسية والعسكرية، وسعى إلى فتح قنوات للحوار مع الحكومات العراقية المتعاقبة بهدف الوصول إلى صيغة تضمن الحقوق القومية للكورد ضمن الدولة العراقية.
محطات نضالية مؤثرة
خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي قاد البرزاني الحركة الكردية في مرحلة اتسمت بتحديات سياسية وعسكرية كبيرة. وقد ارتبط اسمه بالمطالبة بالحكم الذاتي والاعتراف بالهوية الثقافية واللغوية للشعب الكردي.
ومن أبرز المحطات في تلك المرحلة التوصل إلى اتفاقية الحكم الذاتي 1970 في العراق، التي اعتُبرت آنذاك خطوة مهمة نحو الاعتراف بالحقوق الكردية. ورغم ما واجهته الاتفاقية لاحقاً من تعثرات، فإنها شكّلت علامة فارقة في تاريخ العلاقات بين الحركة الكردية والدولة العراقية.
قائد قريب من المجتمع
إلى جانب دوره السياسي، عُرف الزعيم الملا مصطفى البرزاني بقربه من الناس واهتمامه بالجوانب الاجتماعية في حياة المجتمع الكردي. فقد كان يؤمن بأهمية التعليم، وبضرورة الحفاظ على اللغة والتراث الكردي، كما شجّع على التضامن الاجتماعي بين أبناء المجتمع.
وكان حضوره في الحياة العامة يتسم بالبساطة والتواضع، الأمر الذي جعل كثيرين ينظرون إليه كقائد شعبي يعكس طموحاتهم وآمالهم. وقد ساهم هذا القرب الإنساني في تعزيز مكانته داخل المجتمع الكردي، حيث تحوّل إلى رمزٍ يتجاوز حدود السياسة ليصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية للشعب الكردي.
وفي تلك البيئة الجبلية تشكّلت ملامح شخصيته؛ إذ تعلّم قيم الشجاعة والانتماء والالتزام بقضايا المجتمع. وقد دفعته هذه التربية المبكرة إلى الانخراط في العمل النضالي منذ شبابه، فبدأت رحلته الطويلة مع الحركة الكردية التي استمرت عقوداً.
الفكر السياسي للملا مصطفى البرزاني
إلى جانب دوره النضالي، إمتلك الزعيم البرزاني رؤية فكرية واضحة بشأن مستقبل الكرد وعلاقتهم بالدولة والمجتمع. فقد كان يؤمن بأن القضية الكردية ليست مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل هي قضية هوية وثقافة وحقوق إنسانية يجب الدفاع عنها بوسائل متعددة.
وكان من أبرز مبادئه الفكرية الإيمان بحق الشعوب في الحفاظ على لغتها وثقافتها وتراثها، ولذلك ركّز على أهمية اللغة الكردية بوصفها ركناً أساسياً من أركان الهوية القومية. وقد دعا مراراً إلى نشر التعليم بين أبناء المجتمع الكردي، باعتباره الطريق الأهم لبناء مجتمع قادر على حماية هويته وتطوير مستقبله.
كما اتسمت أفكاره بقدر من الواقعية السياسية؛ إذ لم يكن يدعو إلى القطيعة مع الدولة العراقية، بل كان يسعى إلى إيجاد صيغة للتعايش المشترك تقوم على الاعتراف المتبادل والحقوق الدستورية. وكان يرى أن التفاهم والحوار يمكن أن يشكلا أساساً لحل المشكلات القومية في إطار الدولة الواحدة.
ومن الجوانب الفكرية الأخرى في شخصيته إيمانه العميق بوحدة المجتمع الكردي. فقد كان يحرص على جمع مختلف العشائر والقوى السياسية حول هدف مشترك، مؤمناً بأن الانقسام الداخلي يمثل أحد أكبر التحديات أمام أي حركة قومية.
القيم الاجتماعية والإنسانية في فكره
لم يكن فكر الزعيم البرزاني محصوراً في السياسة فقط، بل كان يحمل بعداً إنسانياً واجتماعياً واضحاً. فقد عُرف بتأكيده على قيم الكرامة والعدالة والتضامن الاجتماعي. وكان يشجع على احترام التعدد الديني والقومي في العراق، داعياً إلى علاقات سلمية بين الكرد وبقية مكونات المجتمع العراقي.
كما كان يؤكد على أهمية الأخلاق في العمل السياسي، ويرى أن القيادة الحقيقية تقوم على خدمة الناس لا على السلطة. ولهذا اكتسب احترام كثيرين حتى من خصومه السياسيين، إذ نظروا إليه باعتباره قائداً صلباً لكنه يتمتع بقدر من النزاهة والالتزام بقضيته.
رحيل القائد وبقاء الإرث
توفي الملا مصطفى البرزاني عام 1979 في واشنطن بعد مسيرة طويلة من العمل السياسي والنضالي. إلا أن تأثيره لم يتوقف عند رحيله، إذ استمرت أفكاره وإرثه السياسي في التأثير على مسار الحركة الكردية في العراق.
واليوم، بعد مرور أكثر من قرن على ميلاده، ما زال اسمه حاضراً بقوة في الوجدان الكردي، بوصفه أحد أبرز القادة الذين كرّسوا حياتهم لخدمة قضية شعبهم. لقد مثّل الزعيم البرزاني مرحلة كاملة من تاريخ الحركة الكردية، مرحلة إمتزجت فيها السياسة بالتضحيات، والقيادة بالإيمان بحقوق الإنسان والهوية.
وهكذا، تبقى سيرة الزعيم الخالد الملا مصطفى البرزاني جزءاً أساسياً من تأريخ العراق الحديث، ورمزاً لنضال شعبٍ سعى للحفاظ على ثقافته وكرامته وهويته عبر عقود طويلة من التحديات والتحولات.