من يصنع نار الفتنة بين الأطراف الكوردستانية، البنية الداخلية أم الفاعل الخارجي؟!

د. محمود عباس/ الولايات المتحدة

الحلقة الخامسة
كلما تصاعد التوتر بين قوى الإدارة الذاتية، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، من جهة، وأحزاب المجلس الوطني الكوردي (ENKS) من جهة أخرى، يعود السؤال بقوة في الشارع الكوردستاني في غربي كوردستان، من يدفع نحو هذا التصعيد؟ هل هي خلافات داخلية حقيقية بين مشروعين سياسيين مختلفين؟ أم أن ثمة قوى إقليمية ودولية تعمل بطرق غير مباشرة على إبقاء الانقسام حيًا؟

من الخطأ اختزال المسألة في أحد الاتجاهين. فالتباينات بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني ليست وهمًا. هناك اختلاف إيديولوجي واضح، واختلاف في تعريف الفيدرالية، واختلاف في شكل العلاقة مع دمشق، واختلاف في طبيعة الارتباط الإقليمي. لكن في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن هذا الخلاف يجري في بيئة إقليمية ترى في أي تقارب كوردي خطرًا استراتيجيًا.

تركيا، على سبيل المثال، لا تخفي موقفها الرافض لأي كيان سياسي كوردي على حدودها الجنوبية، سواء كان تحت مسمى الإدارة الذاتية أو أي صيغة فيدرالية أخرى. سياستها لا تقتصر على الضغط العسكري أو الأمني، بل تمتد إلى إدارة معقدة للمشهد السياسي، عبر أدوات إعلامية، وضغوط دبلوماسية، ورسائل غير مباشرة تُغذّي مخاوف كل طرف من الآخر. هذا التدخل لا يظهر دائمًا بصورة مباشرة، بل يتسلل عبر تضخيم الخلافات، وإعادة إنتاج خطاب الريبة، وتشجيع روايات التخوين المتبادل.

النظام السوري بدوره ليس خارج المعادلة. فدمشق تاريخيًا استفادت من الانقسامات الكوردية، وتعاملت مع التعدد بوصفه أداة لإضعاف المطلب السياسي الجامع. وكلما تعمّق الشرخ بين القوى الكوردية، تقلّصت قدرتها على التفاوض الموحد، سواء حول شكل اللامركزية أو طبيعة الاعتراف الدستوري.

حتى القوى الدولية الفاعلة في الملف السوري، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا، تنظر إلى المشهد الكوردي من زاوية مصالحها الأوسع، لا من زاوية وحدة الموقف الكوردي. وكلما كان الداخل منقسمًا، كان أسهل إعادة ترتيب الأدوار وفق أولويات هذه القوى. لكن رغم كل ذلك، يبقى السؤال البنيوي، هل يستطيع الخارج إشعال نار لا تجد وقودًا داخليًا؟

أي بيئة تعاني من أزمة شرعية متبادلة، ومن صراع تعريف بين مشروعين، تصبح قابلة للاختراق. حين تشك الإدارة الذاتية في نوايا المجلس الوطني، ويشك المجلس في نوايا الإدارة، وحين يتحول الحوار إلى اختبار ولاء، تصبح البيئة مهيأة لتلقّي أي دفعة خارجية تُعيد إنتاج التوتر.

الخارج لا يخلق الخلاف الإيديولوجي بين (الأمة الديمقراطية) و (المشروع القومي الكوردي)، لكنه قد يستثمره. لا يصنع أزمة الثقة بين القوى الكوردية، لكنه قد يعمّقها. لا يفرض التخوين، لكنه قد يغذّي بيئته. المسألة إذن ليست إما داخل أو خارج، بل تفاعل بين الاثنين. كلما ضعفت الثقة الداخلية، اتسعت مساحة التأثير الخارجي. وكلما اقتربت القوى الكوردية من صيغة اعتراف متبادل، تقلّصت قدرة الآخرين على توجيه مسار الخلاف.

في نهاية المطاف، لا يمكن إعفاء الداخل من مسؤوليته بحجة التدخلات، ولا يمكن تجاهل التدخلات بحجة النقد الذاتي. الواقعية السياسية تقتضي الاعتراف بأن تركيا والنظام السوري وغيرهما من الفاعلين الإقليميين سيواصلون محاولة التأثير، لكن نجاحهم أو فشلهم يتوقف أولًا على درجة التماسك الكوردي.

السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح في غربي كوردستان ليس فقط، من يتدخل؟ بل، لماذا يجد التدخل مساحة للعمل؟ وهل نغلق هذه المساحة عبر بناء حد أدنى من التوافق الوطني، أم نتركها مفتوحة كل مرة، فنبحث بعد كل جولة عن عود الثقاب، بدل أن نعالج قابلية الاشتعال ذاتها؟

قد يعجبك ايضا