الملا مصطفى البارزاني ميلاد امة وتاريخ شعب نضالي

سردار علي سنجاري

في ذكرى ميلاد رمز الامة الكوردية وقائدها الخالد الملا مصطفى بارزاني الذي يصادف في ١٤ اذار من سنة ١٩٠٣ ذاك الحدث التاريخي الذي غير مجرى وتاريخ الامة الكوردية . اليوم ونحن نستذكر هذا اليوم العظيم لابد لنا من ان نقف على بعض المراحل الهامة من تاريخ الاسطورة الخالد وافكاره الانسانية ورؤيته السياسية والقومية التي جعلته قائدا امميا يحظى بمحبة واحترام جميع الامم حتى تلك التي اتخذت من نضاله ومطالبته بحقوق شعبه موقفا مغايرا لفكره ونضاله .
يُعدّ الملا مصطفى البارزاني أحد أبرز الرموز التاريخية في الوعي القومي الكوردي ، إذ ارتبط اسمه بالنضال من أجل حقوق الشعب الكوردي وهويته السياسية والثقافية. وقد تحوّل البارزاني عبر مسيرته الطويلة إلى رمز للكفاح والصمود في ذاكرة الكورد ليس في إقليم كردستان فحسب بل في مختلف مناطق الوجود الكوردي في العراق وتركيا وإيران وسوريا وأرمينيا والعديد من الدول التي يتواجد فيها الكورد مثل لبنان والأردن .
المُلا مصطفى البارزاني اسطورة معروفة حول العالم رجل كان رمزا للنضال و السلام. كان دائما يدعوا الي التاخي و السلام كان زاهدا وبعيدا عن مغريات الدنيا . لقد كان الزعيم الكوردي من الزعماء القلائل الذين نالوا شهرة واسعة في هذا العصر ، واينما يتداول اسمه نجد الثناء العطر يرافق سيرته ، انه الاب الروحي للامة الكوردية الذي انتهج الطرق السلمية بقدر المستطاع لحصول شعبه على حقوقه المشروعة ولكن دوما واجهت تلك الحلول السلمية بالقوة والغدر والخيانة مما اضطره لاتباع نهج الكفاح المسلح في محطات كثيرة من تاريخ الحركة التحررية الكوردية . قاد ثورةً اعتبرت من اعظم الثورات في القرن الماضي ثورة ايلول المجيدة التي غيرت مفهوم النضال الوطني ضد الظلم وعدم المساواة بين الشعوب. ورغم انها كانت ثورة مسلحة إلا ان نهجها كان إنسانيا اعتمد فيها الخالد سياسة اللاعنف .
فلسفة اللاعنف التي اتبعها البارزاني هي فلسفة صلبة وقوية بحيث تكمن قوة البارزاني الخالد في التوفيق بين فكرتين قد تبدو متناقضتين. فالفكرة الاولى تركزت على حقوق الشعب الكوردي كأمة لها تاريخها وحضارتها ولغتها وهذه مقومات الدولة تقود إلى قيام كيان مستقل يقود إلى تحقيق دولة كوردية . والفكرة الثانية تركزت على الديمقراطية للعراق ودعوة الى التقارب بين الشعبين الكوردي والعربي واعتبر ان النضال المسلح ليس موجها للشعب العربي بل للحكومات التي لم تستوعب دروس التاريخ وتتعلم منه بانه لايمكن لأي مكون ان ينهي مكونا اخر يملك التاريخ والحضارة بالعنف والقوة . وهنا نرى أهمية الرؤيا الانسانية في فكر البارزاني الخالد حيث وفق بين الشعوب ودعى للحوار ونبذ العنف والتحلي بالصبر في اتخاذ قرار الحرب ومن اجل ذلك اتسعت رقعة شعبيته فتجاوزت الأمة الكوردية الى دول الجوار والعالم واصبح رمزا من رموز السلام العالمي .
وفي الوقت الذي كانت العديد من الدول تحاول إلحاق الضرر بشخصه ومن ثم بشعبه ركَز الخالد البارزاني على معاملة الإخوة العرب وبقية المكونات العراقية العرقية والمذهبية على قدم المساواة بما يضمن استمرارية العلاقات بين الشعب الكوردي و بين تلك المكونات على اسس التوافق التاريخي والجغرافي والديني والاجتماعي .
ان الفكر القومي الكوردي الذي بدا ينشط في بداية القرن الماضي وبالاخص بعدما علم الكورد ان مصيرهم السياسي اصبح محكوما بين اربع دول وان تلك الدول ربما لا يسرها وجود امة تختلف في لغتها وثقافتها الاجتماعية عنهم . ومن اجل ذلك كان للكورد البحث عن مخرج يساعدهم في الوصول الى حقوقهم المشروعة وان يعملوا من اجل التخلص من قيود العبودية وهنا جاء مولد البارزاني الخالد والذي بدأ نشاته في بيئة قبلية ودينية اتسمت بروح المقاومة والدفاع عن الهوية الكوردية . وقد لعب منذ شبابه دوراً مهماً في قيادة الحركات الكوردية المطالبة بالحقوق القومية. وبرز اسمه بشكل كبير خلال مشاركته في أحداث جمهورية مهاباد التي مثّلت تجربة تاريخية قصيرة للحكم الكوردي في كوردستان إيران، حيث تولّى البارزاني قيادة القوات الكوردية المدافعة عن الجمهورية الفتية والتي انتهت بمؤامرة دولية .
تتمثل رمزية الملا مصطفى البارزاني للشعب الكوردي في عدة أبعاد. أولها البعد النضالي إذ يُنظر إليه بوصفه قائداً عسكرياً وسياسياً قاد حركات التحرر الكوردية لعقود طويلة في مواجهة الحكومات المركزية مطالباً بالاعتراف بالحقوق القومية للكورد وقد أصبح اسمه مرتبطاً بمقاومة الهيمنة السياسية والدفاع عن الكرامة القومية.
أما البعد الثاني فيتمثل في دوره في ترسيخ الهوية الوطنية الكوردية . فقد ساهم البارزاني في تعزيز الشعور بالانتماء القومي بين الكورد ، وكان له تأثير كبير في توحيد العديد من القوى العشائرية والسياسية تحت راية واحدة. كما لعب دوراً محورياً في تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1946 الذي أصبح لاحقاً أحد أهم الأحزاب السياسية في العراق و إقليم كوردستان والشرق الأوسط .
كذلك تحمل شخصية البارزاني بُعداً رمزياً مرتبطاً بالتضحية والصمود. فقد عاش سنوات طويلة في المنفى وخاض صراعات عسكرية وسياسية معقدة لكنه بقي رمزاً للإصرار على تحقيق تطلعات الشعب الكوردي . ولهذا غالباً ما يُلقَّب في الخطاب الكوردي بـ“الأب الروحي للثورة الكردية”.
كما أن تأثير الملا مصطفى البارزاني لم يقتصر على جيله فقط بل امتد إلى الأجيال اللاحقة حيث أصبحت سيرته جزءاً من الذاكرة الجماعية الكوردية . ويُنظر إليه بوصفه أحد الشخصيات التي وضعت الأسس السياسية لنشوء الكيان السياسي الكوردي في اقليم كوردستان العراق والذي يعد اليوم اهم اقليم حديث من حيث التطور العمرانى والإنساني والاقتصادي في العراق والمنطقة .
سوف يبقى الفكر والنهج البارزاني الانساني والقومي راسخا في ضمير الشعب الكوردي و يمكن القول إن رمزية الملا مصطفى البارزاني تتجاوز كونه قائداً سياسياً أو عسكرياً فهو يمثل في الوعي الكوردي رمزاً للنضال القومي والوحدة والهوية. وقد أسهمت مسيرته التاريخية في تشكيل جزء مهم من التاريخ السياسي للشعب الكوردي ، ما جعله شخصية مركزية في سردية الكفاح الكوردي من أجل الحقوق والاعتراف السياسي .
تحية حب وتقدير الى البارزاني الخالد الذي بفضل نضاله وحنكته ونهجه ينعم شعبنا الكوردي بالحرية والامان والاستقرار.

قد يعجبك ايضا