الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ، المانیا
التصعيد الإقليمي وتحولات الجيوبوليتيك ودور إقليم كوردستان كمساحة توازن واستقرار
مع دخول الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران يومها الثاني عشر، تبدو المنطقة وكأنها تقف على أعتاب لحظة جيوسياسية فارقة قد تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط لسنوات قادمة. فهذه الحرب لا يمكن النظر إليها بوصفها مواجهة عسكرية تقليدية بين أطراف متصارعة، بل باعتبارها جزءاً من عملية أوسع لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية في بيئة دولية تشهد بدورها تحولات عميقة ومتسارعة. وفي خضم هذا التصعيد، تبرز بعض المناطق بوصفها نقاط توازن نسبي في معادلة إقليمية شديدة الاضطراب، ومن بينها إقليم كوردستان العراق الذي يجد نفسه في قلب التفاعلات الجيوسياسية الجارية.
خلال الأيام الأولى من الصراع، اتسعت رقعة العمليات العسكرية لتتجاوز حدود المواجهة المباشرة، لتطال مناطق متعددة في الإقليم. وفي هذا السياق، كان إقليم كوردستان من بين المناطق التي تأثرت مباشرة بتداعيات الحرب، إذ تعرض خلال هذه الفترة لأكثر من 268 هجوماً بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت مناطق مختلفة، ولا سيما أربيل العاصمة. ويعكس ذلك اتساع نطاق الصراع وتحوله تدريجياً إلى حرب إقليمية متعددة الساحات، تتداخل فيها حسابات الردع العسكري مع اعتبارات الجغرافيا السياسية.
من منظور نظريات الحرب والاستراتيجية، يمكن فهم هذه التطورات في إطار ما يُعرف في الأدبيات العسكرية بـ “سلّم التصعيد”. فالحروب المعاصرة غالباً ما تبدأ بضربات محدودة تهدف إلى تحقيق مكاسب تكتيكية أو إرسال رسائل ردعية، لكنها سرعان ما تتطور إلى صراعات أوسع مع تعدد ساحات المواجهة وتزايد انخراط الفاعلين الإقليميين.
كما تعكس الحرب الحالية بوضوح التحول الذي شهدته طبيعة الصراعات في الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين. فالمواجهة لم تعد تقتصر على الجيوش النظامية، بل أصبحت تعتمد بدرجة متزايدة على أدوات الحرب غير المتكافئة، مثل الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة وشبكات الفاعلين المسلحين غير الدولتيين، وهو ما يمنح هذه الحروب قدرة أكبر على الانتشار الجغرافي واتساع نطاق تأثيرها. وفي هذا الإطار، تبدو إيران مركزاً رئيسياً في معادلة التوازنات الإقليمية. فالدولة الإيرانية تمثل أحد أهم مراكز الثقل الجيوسياسي في الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب قدراتها العسكرية، بل أيضاً بفعل شبكة التحالفات والنفوذ التي بنتها في عدد من ساحات الإقليم خلال العقود الماضية. ولذلك فإن أي محاولة لإضعاف هذا المركز أو إعادة تشكيله سياسياً لن تبقى محصورة داخل الحدود الإيرانية، بل ستنعكس بالضرورة على مجمل التوازنات الإقليمية.
ومن هنا يمكن فهم التحذيرات المتزايدة من أن انهيار دولة مركزية بحجم إيران قد يطلق سلسلة من التفاعلات السياسية والأمنية التي تشبه ما يُعرف في العلاقات الدولية بـ “تأثير الدومينو”؛ حيث يؤدي سقوط مركز ثقل إقليمي إلى إعادة تشكيل شبكة التحالفات والنفوذ في المنطقة بأكملها. وفي خضم هذه التحولات، يبرز إقليم كوردستان بوصفه أحد الفاعلين الجيوسياسيين المهمين في المعادلة الإقليمية. فالموقع الجغرافي للإقليم، عند تقاطع الحدود العراقية والإيرانية والتركية، يمنحه أهمية استراتيجية خاصة في حسابات الأمن الإقليمي. وقد جعل هذا الموقع الإقليم عرضة لتداعيات الصراع، لكنه في الوقت نفسه يمنحه دوراً مهماً بوصفه مساحة توازن نسبي وعامل استقرار في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. وفي الأدبيات الجيوسياسية غالباً ما توصف مثل هذه المناطق بأنها “مناطق وسيطة” (Buffer Zones)، أي مناطق تقع عند خطوط التماس بين القوى الإقليمية المتنافسة وتلعب دوراً مهماً في موازنة العلاقات بينها والحد من انزلاق الصراعات إلى مواجهات أوسع. وفي هذا السياق، يسعى إقليم كوردستان إلى الحفاظ على موقعه كمساحة للاستقرار النسبي، مستفيداً من شبكة علاقاته السياسية والاقتصادية مع عدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين. أما على مستوى الخليج العربي، فقد كشفت الحرب عن تحول واضح في طبيعة العلاقة بين إيران ودول الخليج. فبعد سنوات من التنافس غير المباشر، انتقل التوتر إلى مستوى أعلى من التهديد الأمني المباشر، مع تعرض عدد من العواصم و المنشآت الحيوية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وقد أعاد هذا التطور طرح تساؤلات مهمة حول مدى فعالية منظومات الدفاع الجوي التقليدية في مواجهة التهديدات الجديدة التي تفرضها الحروب غير المتكافئة.
ومن جهة أخرى، تمثل الممرات البحرية، ولا سيما مضيق هرمز، أحد أهم أبعاد الصراع الدائر. فالمضيق يعد شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز في العالم. ولذلك فإن أي تهديد للملاحة فيه لا يقتصر تأثيره على دول المنطقة فحسب، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
ولا يمكن فصل هذه الحرب عن السياق الأوسع للتنافس بين القوى الكبرى في النظام الدولي. فإيران تمثل بالنسبة للصين شريكاً مهماً في مجال الطاقة، كما أنها تشكل حلقة أساسية في مبادرة “الحزام والطريق”. ومن ثم، فإن الصراع الدائر قد يعكس في أحد أبعاده محاولة لإعادة تشكيل مراكز النفوذ الجيوسياسي في مناطق استراتيجية من العالم.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو الحرب الحالية أقرب إلى لحظة تحول في تاريخ الشرق الأوسط. فالتصعيد العسكري، والتهديد المتزايد للممرات البحرية، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، كلها عوامل قد تدفع المنطقة نحو مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية.
ختاماً، لقد أثبتت تجارب الشرق الأوسط أن الحروب غالباً ما تبدأ بحسابات عسكرية محدودة، لكنها تنتهي بتداعيات استراتيجية تتجاوز بكثير أهدافها الأولية. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في إدارة هذه الحرب، بل في منع تحولها إلى صراع إقليمي مفتوح قد يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بطريقة يصعب التنبؤ بنتائجها.