علي جبران
مع تصاعد وتيرة الأحداث في الشرق الادنى وتداخل الجبهات، لم تعد المعارك تُقاس بمساحة الأرض المكتسبة فحسب، بل بالقدرة على فرض واقع سياسي جديد. ومع توالي الإشارات المتناقضة الصادرة عن اقطاب الصراع (واشنطن، تل أبيب، وطهران) التي تلمح إلى اقتراب وضع اوزار الحرب، يبرز تساؤل جوهري يشغل المتابعين لهذه الحرب وصناع القرار: ما هو “النصر” بعد الحرب وماهو شكل “النصر” الذي يسعى إليه كل طرف؟
أن مفهوم النصر ليس قالباً جامداً، بل هو تعريف أكاديمي وديناميكي يعتمد على “مدى قدرة القوة العسكرية على تحقيق الأهداف السياسية التي شُنت الحرب من أجلها”. ومن هذا المنطلق، تتعدد القراءات لتشمل تطلعات متباينة لما بعد الحرب.
الرؤية الأمريكية: النصر عبر “التحول البنيوي”
بالنسبة لواشنطن، لا يقتصر النصر على تحييد طهران في ملفات البرنامج النووي، الصواريخ البالستية، او دعم الميليشات المسلحة في المنطقة، بل يمر عبر بوابة “التحول البنيوي”. الهدف الاستراتيجي هنا هو إزاحة صيغة “ولاية الفقيه” كأيديولوجيا محركة للدولة.
واشنطن لا تمانع في بروز نظام جديد ينبثق من رحم المؤسسات الحالية، معتمدا ذلك كهدف سياسي، حتى وإن لم يكن النظام الجديد حليفاً مباشراً لها، شريطة ألا يكون معادياً لمصالحها. لان النصر الأمريكي على الصعيد الاقتصادي يعني ضمان استمرار تدفقات النفط والغاز عبر مضيق هرمز إلى الأسواق العالمية تحت إشرافها، مما يمنحها “كلمة الفصل” في الاقتصاد العالمي، وهو محدد حاسم في صراعها الوجودي والمستقبلي مع الصين.
الرؤية الإسرائيلية: النصر عبر “الانهيار الشامل”
في المقابل، تذهب الرؤية الإسرائيلية إلى سقف أكثر حدة وتطرفاً، وهو “الانهيار الساحق”. ترى تل أبيب أن أمنها لا يتحقق بالهياكل السياسية المتغيرة، بل بزوال مصدر التهديد تماماً. اذ لا تمانع إسرائيل في رؤية الدولة الإيرانية تتفكك إلى كانتونات أو أقاليم ضعيفة، لضمان زوال التهديد الوجودي بشكل قطعي. بالنسبة لها، النصر هو غياب قدرة الخصم على إعادة بناء نفسه لعقود قادمة.
الرؤية الإيرانية: النصر هو “البقاء”
أما في طهران، فإن مفهوم “النصر الكبير” يختزل في استراتيجية صمود تتلخص في كلمة واحدة: “البقاء”. حيث يرى النظام أن استمرار “الجمهورية الإسلامية” ككيان حاكم يُعد نجاحاً استراتيجياً بحد ذاته. كما أن طهران قد تبدي مرونة عالية، فتقبل بالظهور بشكل جديد، أو تبني سياسات وتموضعات دولية مغايرة، أو حتى الدفع بوجوه سياسية جديدة، طالما ظل “الجوهر” الحاكم قائماً وممسكاً بزمام المبادرة.
ما بعد الدخان: صراع الرؤى لا الرصاص
أن الصراع الحالي لا يُدار لتدمير الجيوش فحسب، بل لفرض رؤية سياسية ليوم “ما بعد الحرب”. فبينما تبحث واشنطن عن تأمين الحلفاء والطاقة استعداداً للتنين الصيني، وتبحث تل أبيب عن تأمين الجغرافيا النهائية، فيما تسعى طهران لإدامة الشرعية والاستمرارية” لنظام تلقى ضربات موجعة.
هذا التباين الحاد في الأهداف يجعل من مفهوم “المنتصر” خاضعاً لتفسير كل طرف وفقاً لأهدافه الاستراتيجية. فما قد تراه واشنطن نصراً (تغيير السلوك)، قد يراه النظام في طهران انتصاراً (البقاء في الحكم)، بينما قد تراه تل أبيب فشلا بسبب (عدم زوال النظام في طهران). وفي نهاية المطاف، سيُعلن الجميع النصر، لكن التاريخ وحده سيوضح من الذي استطاع فرض رؤيته على خريطة الشرق الأوسط الجديد.