علي جبران
مرة أخرى تجد حكومة إقليم كوردستان نفسها امام لحظة تاريخية يصعب فيها الاختيار بين الحياد والمشاركة في حرب أشتعلت بفعل الفشل الدبلوماسي بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وايران من جهة أخرى. وبناء على المعطيات الميدانية والتطورات العسكرية. لابد للحكومة ان ترسم لوحة من التخطيط الاستراتيجي يقارب فيها حياد نشط للحفاظ على كيان الإقليم ومكتسباته، أضافة الى احلام قومية ممزوجة بواقع عصيب وتطورات ضاغظة داخليا وخارجيا.
بدأ وقبل اي شيء لابد لحكومة الإقليم ان تتبني مفهوم “الحياد النشط”، حيث ترفض الحكومة الانضمام الى اي حلف عسكري على ضفتي الخليج، ولكن وبالتوازي مع ذلك الفعل لابد للحكومة ان تسعى وبفعالية متقدة الى المشاركة بشكل ايجابي من اجل تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة. ولتحقيق هذا المبتغى، يجب ادامة العلاقات مع واشنطن على كل الصعد والعمل في ذات اللحظة على تجنب إعطاء طهران اي ذريعة لأستهداف أربيل. هذا الاداء يتناغم مع رفض لعب دور “رأس الحربة” في هذه الحرب وأن يكون الكورد الاداة البرية للهجوم على النظام الإيراني، خصوصا في ظل غياب التزام امريكي من تغيير موقف الادارة وفقا لمستجدات الصراع العسكري مع طهران والسياسي داخل واشنطن.
اما على الجانب الاخر من الحدود، تجد الحكومة نفسها امام امتحان عصيب حيث يجب عليه التعامل مع الملف الكوردي في روجهلات (كوردستان ايران) بكل ما فيها من تداخل للملفات المتشابكة. حيث تتواجد مقرات الاحزاب الكوردية داخل اقليم كوردستان، وهي احزاب معارضة للنظام الأيراني. تتمثل أزمة الحكومة في كونها عالقة بين مطرقة الطموحات القومية الكوردية في “روجهلات” وسندان الواقع والجغرافيا السياسية التي تفرض عليها عدم استفزاز النظام الايراني للحفاظ على استقرار الإقليم، وهذا ما يمكن ان يطلق على “فخ الدولة” اي التحول الذي يطرأ على العمل السياسي لحركة ثورية ما، بعد الوصول الى السلطة ومواجهة التزامات الدولة بكل معانيها.
ويعكس إعلان التحالف الجديد المكون من خمسة أحزاب رئيسية في كوردستان ايران (الحزب الديمقراطي الكوردستاني – إيران، حزب الحياة الحرة الكوردستاني (بيجاك)، منظمة خبات الكوردستانية – إيران، حزب حرية كوردستان (باك)، وحزب كادحي كوردستان (كومله)) وحدة نضالية تسعى لإسقاط النظام في طهران على طريق تقرير المصير، او بالحد الادنى القبول بكيان كوردي داخل دولة ايران الديمقراطية المستقبلية. وهو ما يضع قيادة الإقليم في موقف محرج أمام الضغوط الإيرانية المتزايدة التي تطالب بتفكيك هذه القواعد وتعتبرها تهديداً لأمنها القومي. هذه الأزمة تتجاوز مجرد التضامن القومي لتصل إلى صدام الإرادات، حيث تتمثل اكبر التحديات في الموازنة بين الواجب القومي الكوردي وبين التزامات حكومة الاقليم الأمنية الرسمية المبرمة مع بغداد وطهران.
كذلك تفرض هذه التزامات الأمنية على حكومة الاقليم تبني سياسة “ضبط الحدود” الاستباقية لمنع تحول أراضي الإقليم إلى منطلق لعمليات برية كبرى قد تستدرج النظام الايراني لأجتياح مناطق داخل الاقليم. مسار بهذه الدقة يتطلب تنسيقاً استخباراتياً عاليا مع القوى الدولية لمراقبة الوضع، والحرص على عدم اظهار اي دعم عسكري علني للمعارضة الإيرانية المسلحة، الأمر الذي قد يؤدي إلى إنهاء اتفاقيات “أمن الحدود” الهشة اصلا. إن الهدف النهائي هنا هو حماية كيان الإقليم من أن يصبح ساحة لتصفية الحسابات الصاروخية أو مسرحاً لحرب بالوكالة، وذلك من خلال ممارسة نوع من “الواقعية السياسية” التي تضمن استمرار الدعم الأمريكي الاستراتيجي دون استفزاز طهران لدرجة الصدام الشامل الذي قد يطيح بالمكاسب السياسية والاقتصادية التي حققها الإقليم على مدار عقود.
اما داخليا، يجب العمل على محاورالأمن على كافة مستوايته العسكرية منها، والاقتصادية ايضا. اذ تفرض الاوضاع الحالية على حكومة الاقليم ان تحصن العمق الدفاعي والأقتصادي. اذ مع التعرض المستمر لضربات بالمسيرات والصواريخ من قبل فصائل موالية لإيران، لابد للحكومة ان تنظر الى هذه الصعوبات على انها فرصة يمكن استغلالها. اذ يمكن لحكومة الاقليم ان تطلب من الشركاء والاصدقاء في الولايات المتحدة ودول الناتو تطوير انظمة الدفاع الجوي لحماية البنى التحتية وحقول النفط والغاز. كما لابد للحكومة وضع حالة اغلاق الحدود الايرانية والتركية في نظر الاعتبار اعتمادا على تطور اوضاع الحرب. لذلك لابد من الاحتراز وتخزين كمية كافية من المواد الغذائية والادوية خشية من الاسوء.
اما على صعيد التعامل مع بغداد، لابد لحكومة الإقليم الضغط على الحكومة الاتحادية ووضعها امام مسؤوليتها القانونية لتكون درع امام هجمات الفصائل الموالية لايران على اربيل. ومن هذا المنطلق لابد لحكومة كوردستان من التأكيد على أن أي اعتداء على الإقليم هو اعتداء على سيادة العراق، مما يحرج الحكومة المركزية في بغداد امام المجتمع الدولي وخصوصا الولايات المتحدة ويجبرها على التحرك لتجنيب البلاد حرباً شاملة.
الخلاصة: لابد ان تكون استراتيجية حكومة إقليم كوردستان في هذا الظرف الحرج هي “البقاء أولاً”، والادارك أن الوعود الأمريكية قد تتبدل، اما الجغرافيا الإيرانية دائمة. لذا، لابد من السعي للحصول على أكبر قدر من المكاسب العسكرية تسليحا دون تقديم اي التزام عسكري بري يجعل الاقليم في مواجهة مباشرة ومفتوحة مع النظام في طهران.