شَمال آكرَيي
عندما يسرد كتابٌ ذكريات مؤلمة لأربعين سجينا سياسيا بصوت خافت، ويجمعها معا لتشكّل صرخة مدوّية وقوية؛ صرخة أعلى من أي حقد وكراهية، وأقوى من أي ديكتاتور ومستبد، صرخة توقظ الضمائر النائمة وتنادي الصمت البشري قائلة: “هذه قطرة من بحر دموع الأمهات ومحترقي القلوب!”.. حينها لا يبقى الكتاب في إطاره المعتاد، بل يتحوّل إلى شاهد ودليل ووثيقة حيّة تُصفع بها وجوه الإنسانية فاقدة الكرامة التي ضيعت أخلاقها، ويصبح سؤالا يؤرق الأجفان ويصرخ: كيف يمكن لإنسان أن يكون أداة لتعذيب وإيذاء أخيه الإنسان؟

(عودة الزمن) كتاب يتضمن تصويرا دقيقا لآليات التعذيب والقمع في سجون نظام البعث البائد. في هذا الكتاب، يروي أربعون سجينا سياسيا قصصهم؛ هؤلاء الأربعون هم نماذج من سلسلة طويلة من الأسماء التي وقفت بشجاعة في وجه الظلم والاستبداد والقمع، لأنهم آمنوا بقضية شعبهم إيمانا لا مثيل له. لذا ألقوا بأنفسهم في ميدان النضال ضمن التنظيمات السرية أو انخرطوا في مواجهة أصبحت تشكل رعبا وقلقا كبيرا لأجهزة الاستخبارات والأمن التابعة للنظام وجواسيسه وأذنابه آنذاك.
في زمن فُقدت فيه الثقة بين الجار وجاره، والأب وابنه، والمعلم وتلميذه، وصاحب الدكان وزَبونه، وحتى بين الأقارب أنفسهم، كان هؤلاء الأشخاص – ومن قلب معاقل العدو الغاصب – يوصلون رسالة الصمود والوجود، كلٌّ بطريقته، ويواصلون نضالهم رغم أنف المحتلين والخونة. في ذلك العصر، كانت العيون تراقب كل مكان وكل منزل؛ فجواسيسُ النظام وعيونُ أعوانه من الخونة كانوا جزءًا من منظومة الرعب التي أنشأها النظام ببراعة خبيثة ومخططٍ قذر وغدّار.
وفقا للوثائق والشهود الواردة في الكتاب، كانت أجهزة البعث تُعد ملفات هؤلاء المناضلين بدقة. وإذا لم يجدوا أي دليل أو إثبات ضدهم، كانوا يختلقون التهم من تحت الأرض، ويصممون أدلة مزيّفة وكاذبة لتكون ذريعة لاعتقالهم وتعذيبهم. لذا كانوا يجهزون تهما مسبقة، ويعتقلون الأشخاص بتهم مثل الانتماء لمنظمة سرية أو التآمر على الدولة.
لكن في أغلب الحالات، كان الضحايا هم أولئك الذين تفوح منهم رائحة “الكوردايتي”، وكانوا أعضاءً في منظمات كوردستانية مناضلة ومعارضة للنظام، وعلى رأسها الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي يعمل سرّا ويكافح للدفاع عن قضيته القومية والإنسانية.
كل قصة في هذا الكتاب هي مرآة تعكس حجم الوحشية التي كانت تمارس داخل السجون. سجون البعث كانت الأماكن التي تتحول فيها الأجساد إلى حقول لتجارب العقاب، والأرواح إلى أهداف للتعذيب بالكهرباء، والحرق، والضرب بالأنابيب والسياط، والحرمان من النوم، والتهديد بالاغتصاب. كانت هذه أساليب وحشية تهتز لها الضمائر الحية.
ما يميز هذا النوع من الكتب عن غيره ليس فقط المشاهد المأساوية للألم، بل هو ذلك النداء الإنساني المقاوم الذي ينبعث من كل شهادة في الكتاب. عندما يروي كل سجين حكايته، فهو لا يفعل ذلك ليبكي على ماضيه، بل ليعري ويكشف نظام الاستبداد الذي أراد سحق إرادة الإنسان.
استخدم مُعد الكتاب الصحفي المتألق (أحمد ياسين بندي) أسلوبا وثائقيا بسيطا، لكنه مؤلم في صدقه؛ لأن الكاتب ترك كل سجين يروي قصته بطريقته الخاصة، وبلهجته وكلماته التي تعبر عن آلام أعماقه، دون تغيير أو تدخل. هذه البساطة أعطت للكتاب قيمة وثائقية وإنسانية نادرة. هذه الروايات ليست شعارات مرفوعة، ولا خطابات مؤثرة صِيغت بدقة، بل هي مجرد قصص حقيقية وصادقة من بحر المعذبين، تخرج من قلوب متعبة وموجوعة.
اللغة في معظم القصص تتراوح بين الواقعية المباشرة والشعرية المليئة بالدموع. الجدران، الأبواب الحديدية، والظلام، هي رموز للمقاومة مقابل الخوف والفراق، وتتكرر فيها كلمات الثقة بالنفس، والصبر، وحلم الحرية. هذه الخصائص هي بمثابة نار المقاومة التي تأبى الانطفاء.
: *هذا الكتاب صدر بالكوردية من إعداد وصياغة الكاتب القدير (أحمد ياسين بندي)، ومستوحى من برنامج (زڤڕینا دەمی – عودة الزمن) الذي عُرض على قناة (GAV)، حيث أجرى الصحفي (دلژار عدنان) لقاءات مع (40) من السجناء السياسيين الكورد