مقال رأي السينما في زمن الحرب ذاكرة لا تموت

مصطفى حسين الفيلي

حين تندلع الحروب، تتراجع الفنون ظاهريًا أمام ضجيج السلاح، لكن السينما غالبًا ما تثبت العكس. ففي أكثر اللحظات قسوة، تتحول الكاميرا إلى شاهدٍ على التاريخ، وإلى وسيلة لفهم ما يعجز عنه الخطاب السياسي أو العسكري.

خلال الحروب، لا تكون السينما مجرد ترف ثقافي. إنها تصبح أداةً للتوثيق، ولرفع المعنويات أحيانًا، أو لكشف المآسي أحيانًا أخرى. منذ الحرب العالمية الثانية، استخدمت دول كثيرة السينما بوصفها خطابًا بصريًا يعبّئ الشعوب ويعيد صياغة معنى التضحية. وفي المقابل، ظهرت أفلام تسائل الحرب نفسها، وتفكك بطولاتها الزائفة، كما فعلت أعمال سينمائية لاحقة تناولت مأساة الجنود والمدنيين على حد سواء.

لكن التأثير الأعمق للسينما يظهر غالبًا بعد انتهاء الحروب. فحين يصمت الرصاص، تبدأ الكاميرا عملًا أكثر تعقيدًا: إعادة بناء الذاكرة. هنا تتحول الأفلام إلى أرشيف عاطفي للشعوب، توثق الألم والخسارة، لكنها في الوقت نفسه تفتح باب الفهم والمصالحة مع الماضي.

السينما في هذه المرحلة لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تعيد طرح الأسئلة الكبرى ماذا حدث؟ ولماذا؟ ومن دفع الثمن؟ ولذلك ظهرت موجات سينمائية كاملة بعد الحروب الكبرى، مثل السينما الواقعية الجديدة في إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية، التي خرجت بالكاميرا إلى الشوارع لتصوير حياة الناس العاديين وسط الخراب.

ما تفعله السينما في النهاية هو تحويل التجربة الإنسانية القاسية إلى قصة يمكن مشاركتها. إنها تمنح الضحايا صوتًا، وتعيد للإنسان حضوره وسط الأرقام والإحصاءات. وربما لهذا السبب تبقى الأفلام الحربية الأكثر قدرة على عبور الزمن، لأنها لا تتحدث فقط عن المعارك، بل عن الإنسان وهو يواجه هشاشته وقوته في آن واحد.

في زمن الحروب، تكون السينما شاهدًا.

وبعد الحروب، تصبح ذاكرة.

قد يعجبك ايضا