إستراتيجية الحروب الجديدة في ضوء الحرب القائمة

إعداد ـ التآخي

نحن نعيش حاليا (آذار 2026) لحظة تاريخية فارقة في تاريخ الحروب، اذ تحول النزاع القائم بين الولايات المتحدة وإيران (الذي تصاعد بشكل كبير منذ شباط 2026) إلى ما يسميه الخبراء “عصر الحرب المبرمجة” أو “حرب الخوارزميات”.

​تجاوزت هذه المواجهة الأساليب التقليدية (الدبابات والمواجهات المباشرة) لتعتمد على “تكامل” غير مسبوق بين الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، والأنظمة ذاتية التشغيل.

الوسائل التكنولوجية الجديدة المستعملة، تشمل أولا ، الذكاء الاصطناعي و”تقليص سلسلة القتل”The Kill Chain، و​لأول مرة، يجري استخدام نماذج لغوية متطورة وأنظمة ذكاء اصطناعي (مثل نظام Project Maven المطور ونماذج مثل Claude وChatGPT) لإدارة العمليات العسكرية.

وبدلا من قضاء المحللين البشريين أسابيع لدراسة الصور الجوية، تقوم الخوارزميات بمسح آلاف الساعات من لقطات الطائرات المسيرة والأقمار الصناعية لتحديد منصات الصواريخ المخبأة في جبال إيران في غضون دقائق.

في هجمات شباط 2026، جرى ضرب أكثر من 1000 هدف في 24 ساعة. هذا النسق يتجاوز “سرعة التفكير البشري”، اذ يقترح الذكاء الاصطناعي الهدف، ونوع السلاح المناسب، ويقيم الجوانب القانونية للضربة، ويترك للقائد البشري خيار “التنفيذ” فقط.

اما ما يتعلق بالطائرات المسيرة الانتحارية ومنخفضة التكلفة، فتستعمل إيران أسلوب “أسراب الطائرات المسيرة” (مثل Shahed-136وShahed-101) لإجهاد الدفاعات الجوية المتطورة.

وتطلق إيران طائرات تكلفة الواحدة قدرت بـ 20 ألف دولار، فيما تضطر الولايات المتحدة وحلفاؤها لاستعمال صواريخ “باتريوت” تكلفة الواحد منها 4 ملايين دولار لإسقاطها.

و​أدخلت الولايات المتحدة أسلحة الليزر والدفاع الفضائي بأنظمة ليزر مثبتة على السفن (Ship-mounted lasers) لتحييد التهديدات الجوية بسرعة الضوء وبتكلفة زهيدة جدا مقارنة بالصواريخ، مدعومة ببيانات لحظية من “قوة الفضاء الأمريكية” التي ترصد البصمات الحرارية للصواريخ لحظة انطلاقها.

في الحرب التقليدية فان الميدان الأساسي هوالأرض، البحر، الجو، وفي الحرب الحديثةالفضاء السيبراني، البيانات، المدار الأرضي. في الحروب التقليدية الهدف الاستراتيجي احتلال الأرض وتدمير الجيش؛ في الحرب الحالية شل الإدراك، تدمير البنية التحتية الرقمية، وتغيير النظام. سلاح الحسم في الحرب التقليدية القوة النارية الكثيفة (المدفعية)، اما في الحرب الحديثة فيتمثل في الخوارزميات، التزييف العميق، الهجمات السيبرانية، الخسائر البشرية عالية جدا في صفوف الجنود في الحرب التقليدية، اما في الحرب الحديثة فتكون الخسائر أقل في الصفوف الأمامية (اعتماد على المسيرات والروبوتات).

الحروب الحالية توصف انها حروبا سيبرانية ونفسية متطورة، فلم تعد الهجمات السيبرانية مجرد “تعطيل مواقع”، بل أصبحت سلاحاتكتيكيا مباشرا فقد جرى تسجيل حالات لاختراق تطبيقات خدمية (مثل تطبيقات الصلاة أو الأخبار) لإرسال رسائل استسلام وتوجيهات نفسية لملايين المستخدمين والجنود في وقت واحد.

والتعتيم الرقمي كان عاملا هاما، اذ أصبح “قطع الإنترنت الشامل” وسيلة دفاعية وهجومية لعزل المجتمعات ومنع التنسيق الميداني.

الردود الإيرانية الأخيرة ركزت على ضرب “مراكز البيانات السحابية” (Cloud Centers) في المنطقة، إدراكا منها أن هذه المراكز هي “عقل” العمليات العسكرية الأمريكية الحديثة.

يمكن القول ان ​الحرب الحالية هي “حرب هجينة” بامتياز؛ اذ يمتزج فيها الصاروخ التقليدي مع الخوارزمية الذكية. القوة الآن لا تقاس بعدد الجنود، بل بـ “سيادة البيانات” والقدرة على حماية البنية التحتية الرقمية من الاختراق.

بناء على التطورات المتلاحقة في صراع عام 2026، هناك مسارين جوهريين أعادا صياغة المشهد العالمي: المعضلة القانونية والأخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، والزلزال الاقتصادي الذي ضرب أسواق الطاقة.

أدخلت التكنولوجيا سلاحا ذا حدين في هذه الحرب، مما جعل القوانين التقليدية (مثل اتفاقيات جنيف) تظهر بحاجة لتحديث جذرييتعلق بتحديد المسؤولية الجنائية: في هجمات شباط 2026، عندما اقترح نظام ذكاء اصطناعي قصف هدف تبيّن لاحقا أنه منشأة مدنية مخفية، ثار تساؤل قانوني: من المسؤول؟ هل هو المبرمج، أم القائد الذي ضغط على زر التنفيذ بناء على توصية الخوارزمية؟

تدعي الولايات المتحدة أن الذكاء الاصطناعي “أكثر إنسانية” لأنه يقلل الأضرار الجانبية عبر دقة متناهية. وفي المقابل، ترى أطراف أخرى أن “الخوارزميات لا تملك حسا أخلاقيا” لتقدير قيمة الحياة البشرية في لحظات الاشتباك المعقدة. وعدت الهجمات الإيرانية على مراكز البيانات في المنطقة “عملا عدائيا مسلحا” لأول مرة بشكل رسمي، مما شرعن الرد العسكري التقليدي (قصف مادي) على هجوم رقمي، وهو تحول خطير في قواعد الاشتباك الدولية.

أثر الحرب على أسعار الطاقة العالمية

بما أن الصراع يدور في قلب “خزان الطاقة العالمي”، فقد شهد شهر آذار 2026 تقلبات غير مسبوقة، اذ استعمل سلاح “المسيرات الانتحارية” في مهاجمة المنشآت النفطية

وأثبتت الهجمات بمسيرات رخيصة الثمن قدرتها على تعطيل مصافي تكرير كبرى بضربات جراحية في “نقاط الاختناق” التقنية للمنشأة. هذا أدى إلى، قفزة تاريخية في الأسعار وتجاوزسعر برميل برنت حاجز الـ 140 دولارا في غضون أيام من بدء التصعيد الجدي.

ولم تعد شركات النفط تخشى الصواريخ فقط، بل تخشى “البرمجيات الخبيثة” التي قد تغلق صمامات الأنابيب عن بُعد، مما رفع تكلفة التأمين البحري والشحن بنسبة 400%.

و ​مع استعمال تقنيات “الألغام البحرية الذكية” التي تعمل بالاستشعار المغناطيسي والصوتي المتقدم، تعطلت حركة ناقلات النفط بشكل شبه كامل في اوقات معينة، و وتحول التركيز العالمي نحو “الطرق البديلة” (مثل خطوط الأنابيب البرية أو طرق الشحن عبر القطب الشمالي)،لكنها لم تستطع سد الفجوة التي خلفها إغلاق المضائق.

​أدت الحرب إلى صدمة في أمن الطاقة الغربي، مما دفع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لإعلان خطط طوارئ لمضاعفة الاستثمار في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، ليس لأسباب بيئية هذه المرة، بل كضرورة أمن قومي للتحرر من تقلبات الشرق الأوسط.

وفيما يتعلق بالعراق، كانت التداعيات مزدوجة، ​اقتصاديا: استفادت الخزينة من ارتفاع أسعار النفط، لكنها واجهت ضغوطا هائلة لتوفير السيولة واستيراد السلع الأساسية التي ارتفعت أسعار شحنها. ​أمنيا وسيبرانيا: أصبح العراق ساحة “اختبار” لبعض هذه التقنيات، بخاصة في مجال التشويش الإلكتروني واختراق شبكات الاتصال، مما أثر على جودة الخدمات الرقمية والبنكية محليا.

إن ما نراه اليوم هو “حرب استنزاف تقنية”؛ الطرف الذي يمتلك أفضل شيفرة برمجة وأقوى نظام حماية سيبراني هو من سيتحكم في وتيرة الصراع، وليس بالضرورة من يمتلك أكبر عدد من الطائرات.

تحول العراق في عام 2026 إلى “مختبر حي” للجيل السادس من الحروب، وهو ما أثر بشكلمباشر على التوازنات السياسية والاجتماعية في البلاد.

​أدت الحرب التكنولوجية بين واشنطن وطهران إلى إحداث انقسام حاد في داخل المشهد السياسي العراقي، يتجاوز الخلافات التقليديةوبرز صراع بشأن السيطرة على البنية التحتية للاتصالات في العراق. القوى القريبة من إيران تدفع باتجاه تأمين الشبكات عبر تقنيات شرقية (صينية/إيرانية) لحماية البيانات من التجسس الأمريكي، فيما تحذر القوى الأخرى من أن ذلك يعزل العراق تقنيا عن النظام المالي العالمي.

وجدت الحكومة العراقية نفسها في وضع حرج؛ ففي حين تحاول الالتزام بالحياد، تستعملأراضيها وأجواؤها كنقاط انطلاق لـ “أسراب المسيرات” أو كمراكز لـ “الخوادم السيبرانية” التي تدير العمليات الهجومية، مما جعل “قرار الحرب والسلم” يخرج فعليا من يد المؤسسات الرسمية لصالح الفواعل المسلحة المرتبطة بالتكنولوجيا.

واستغلت واشنطن سلاح “الدولار الرقمي” والرقابة على التحويلات المالية (منصة سويفت المتطورة بالذكاء الاصطناعي) للضغط على القوى السياسية، مما خلق أزمة سيولة أدت إلى توترات في الشارع العراقي.

​ما يشهده العراق والمنطقة الآن هو تعريف الجيل السادس (6th Generation Warfareالذي يتميز بالحروب غير المرئية (Cognitive Warfare) فلم يعد الهدف تدمير الجسور فقط، بل “تدمير الحقيقة”. يجري استغلال التزييف العميق (Deepfake) لإنتاج فيديوهات لسياسيين أو قادة عسكريين عراقيين يطلقون تصريحات تحريضية لإشعال فتنة داخلية.

​الخوارزميات تستهدف فئات محددة من الشباب العراقي على منصات التواصل (مثل تيك توك) لبث إحباط منظم أو توجيه الرأي العام نحو مطالب معينة تخدم طرفا دوليا.

​انتقلنا من طائرات مسيرة يوجهها بشر، إلى طائرات “تتخذ قرار القتل بنفسها” بناء على التعرف على الوجوه أو الأنماط السلوكية، مما يجعل تتبع الجاني أو محاسبته قانونيا أمراشبه مستحيل.

​الهجوم يبدأ في الفضاء (تعطيل أقمار صناعية)، يليه سيبراني (غلق الكهرباء)، ثم نفسي (إشاعات رقمية)، وينتهي بضربة مادية محدودة. هذا التكامل هو جوهر الجيل السادس.

و​لقد تحولت “الخدمات” إلى سلاح تكتيكي في هذه المواجهة، متمثلة فيما يعرف بحرب “السمارت ميتر” وفي مجال الكهرباء، تعرضت منظومة العدادات الذكية والشبكة الوطنية لمحاولات اختراق لتعطيل الطاقة في مدن عراقية معينة كنوع من الضغط السياسي، مما حول “الكهرباء” من خدمة إلى جبهة قتال سيبرانية.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، أصبحت إدارة السدود والمياه تعتمد على أنظمة رقمية، مما جعلها أهدافا محتملة لعمليات “التخريب الرقمي” التي قد تؤدي لفيضانات أو جفاف مصطنع من دون إطلاق رصاصة واحدة.

​إن العراق اليوم ليس مجرد “جغرافيا” للصراع، بل هو “ساحة بيانات”. الصراع الحقيقي يدور حول من يمتلك الوصول إلى بيانات المواطن العراقي، ومن يتحكم في تدفق المعلومات عبر كابلات الألياف الضوئية.

تأثير التحول الرقمي الحربي على الواقع العراقي

بناء على التطورات الميدانية والبحثية في عام 2026، يمكننا تحليل هذه القضية من منظورين: الأول يمس النسيج الاجتماعي العراقي، والثاني يتعلق بالتحصين السيادي للمؤسسات.

لم تعد الحرب مجرد أصوات انفجارات، بل أصبحت “ضجيجا رقميا” يتغلغل في حياة العراقيين اليومية، مخلفا آثارا عميقة، فلقد أدت الحرب إلى بروز نوع جديد من عدم المساواة؛ فالطبقات الميسورة القادرة على شراء تقنيات الحماية (مثل الـ VPN المتقدم، وأجهزة الاتصال الفضائي، وأنظمة الطاقة البديلة) استطاعت الحفاظ على استمراريتها الاقتصادية والتعليمية. في المقابل، تتضرر الطبقات الفقيرة بشكل مضاعف نتيجة انقطاع الخدمات الرقمية الأساسية وتوقف منصات “الاقتصاد التشاركي” (مثل تطبيقات التوصيل والنقل) التي يعتمد عليها آلاف الشباب كمصدر رزق.

بالنسبة للشباب العراقي (الذي يمثل الكتلة الأكبر سكانيا)، تعرضوا لموجات من الحرب الإدراكية باستغلال تقنيات الـ Deepfake لنشر أخبار كاذبة عن قادة مجتمعيين أو أحداث أمنية أدت إلى حالة من “التشكيك الدائم”، اذ فقد كثير من الشباب الثقة في أي محتوى رقمي، مما أضعف قدرة المجتمع على التماسك في الأزمات.

وينشأ جيل جديد يعاني مما يسمى “قلق التهديد غير المرئي”؛ فالخوف من اختراق الهواتف الشخصية، أو تسريب البيانات، أو التجسس الرقمي أصبح يوازي الخوف من الهجمات المادية، مما أثر على الصحة النفسية للشباب العراقي ويدفع ذلك ببعض الكفاءات التقنية للهجرة بحثا عن “بيئات رقمية آمنة”.

ولمواجهة تهديدات الجيل السادس (6GW)، العراق بحاجة إلى الانتقال من “الدفاع السلبي” إلى “الصمود النشط” عبر الانتقال إلى “السيادة السحابية الوطنية” فالاعتماد الحالي على خوادم (Servers) خارج الحدود يمثل ثغرة كبرى. يجب على المؤسسات العراقية إنشاء مراكز بيانات وطنية مؤمنة داخل العراق، وتطوير“سحابة حكومية مشفرة” تربط الوزارات الحيوية (الدفاع، المالية، النفط) بعيدا عن شبكة الإنترنت العامة.

وبدلا من انتظار الهجوم السيبراني لاكتشافه، يجب دمج أنظمة ذكاء اصطناعي وطنية تقوم بالتنبؤ بالهجمات عن طريق تحليل أنماط تدفق البيانات لرصد أي نشاط غير اعتيادي قبل وقوع الاختراق، و تطوير أنظمة قادرة على عزل الجزء المصاب من الشبكة تلقائيا لمنع انتشار الفيروسات أو البرمجيات الخبيثة.

كما يتوجب “محو الأمية الرقمية” في داخل المؤسسات، اذ الحصانة لا تبدأ بالبرامج بل بالبشر؛ إذ تشير الإحصائيات إلى أن أغلب الاختراقات في المؤسسات العراقية جرت عبر “الهندسة الاجتماعية” (أخطاء بشرية). لذا يجب، فرض دورات إلزامية في “الأمن السيبراني الدفاعي” لجميع موظفي الدولة.

ويتوجب تأسيس “الجيش السيبراني الرديف” المكون من متطوعين من الشباب الخريجين الموهوبين لدعم المؤسسات الرسمية في أوقات الطوارئ. ولا يمكن بناء حصانة من دون غطاء قانوني حديث، العراق بحاجة ماسة إلى، إقرار قانون جرائم المعلوماتية بصيغة توازن بين الأمن والحريات، وتأسيس “الوكالة الوطنية للأمن السيبراني” لتكون المرجعية الوحيدة والمنسقة بين الوزارات كافة، بدلا من تشتت الجهود الحالية.

ان التحصين في الأسلوب القديم (قبل 2026) يتمثل في ان جدران الحماية (Firewalls) ثابتة، فيما الاسلوب الجديد يمتاز بديناميكية (خوارزميات متغيرة لحظيا)، وتخزين البيانات في الأسلوب القديم خارجي مشتت اما في الحديث فسيادي/مشفر محليا. والتعامل مع الهجوم في الأسلوب القديم يكون بصيغة رد فعل بعد الاختراق، اما في الأسلوب الجديد فيجريإحباط الهجوم في مرحلة التخطيط.

قد يعجبك ايضا