انتفاضة كوردستان في ربيع عام 1991

المستشار الأقدم دژوار فائق

اندلعت انتفاضة كوردستان في ربيع عام 1991 بعد أن تهيأت ظروفها الموضوعية، ونضجت عواملها الداخلية والخارجية. ولم تكن تلك الانتفاضة حدثًا مفاجئًا، بل جاءت نتيجة تراكم طويل من السياسات القمعية والأزمات السياسية التي عاشها العراق لسنوات طويلة.

أولاً: العامل الداخلي

لم تتمكن الحكومات العراقية المتعاقبة من معالجة القضية الكوردية معالجة سلمية عادلة، بل فضّلت اللجوء إلى الحلول العسكرية بدل الحوار السياسي. وقد حكمت البلاد بالحديد والنار، وضيّقت على الحريات العامة، وزجّت بالمعارضين في السجون، ومنعت حرية الفكر والرأي والنشر.

وشنّت تلك الحكومات الديكتاتورية حملات عسكرية واسعة على كوردستان، استخدمت فيها جيوشًا كبيرة وأنواعًا متعددة من الأسلحة، التقليدية منها والمحرّمة دوليًا. كما لم تتردد في اتباع سياسة الأرض المحروقة وفرض الحصار الاقتصادي على مناطق كوردستان.

وتصاعدت هذه السياسات القمعية حتى بلغت ذروتها باستخدام السلاح الكيميائي وتنفيذ عمليات إبادة جماعية، كان أبرزها ما جرى في مدينة حلبجة، حيث استشهد أكثر من خمسة آلاف مدني وأصيب نحو سبعة آلاف آخرين من الأطفال والنساء والشيوخ الأبرياء. كما شكّلت حملات الأنفال سيئة الصيت واحدة من أبشع تلك الجرائم، إذ أسفرت عن تدمير ما يقارب 4500 قرية كوردستانية، واستشهاد نحو 182 ألف مواطن بريء، معظمهم من سكان القرى والقصبات الآمنة.

ولم يقتصر القمع على الكورد وحدهم، بل شمل أيضًا قوى سياسية عراقية أخرى.

فقد كان الفكر اليساري والشيوعي من أبرز المستهدفين، لا سيما بعد انقلاب الثامن من شباط عام 1963، حيث قُتل عدد كبير من قياداته وكوادره، واعتُقل الآلاف منهم وزُجّ بهم في السجون.

كما تعرضت التيارات الإسلامية بدورها للملاحقة، وكانت الأحزاب الشيعية، ولا سيما كوادر وتنظيمات حزب الدعوة الإسلامية، هدفًا لحملات القمع والمطاردة.

وقد أسهمت هذه السياسات مجتمعة في توسيع دائرة السخط الشعبي، وتحول الغضب المتراكم إلى معارضة واسعة ضد الأنظمة الاستبدادية التي حكمت العراق، ولا سيما بعد انقلاب شباط 1963 وما تلاه من أحداث.

ثانياً: العامل الخارجي

أما العامل الخارجي، فقد ارتبط بالسياسات التي انتهجها نظام صدام حسين في تلك المرحلة. إذ دخل النظام في حرب مدمّرة مع إيران استمرت سنوات طويلة، وذهب ضحيتها مئات الآلاف من الضحايا.

ثم ارتكب النظام خطأً استراتيجيًا جسيمًا عندما أقدم على احتلال الكويت عام 1990، في خطوة شكّلت تحديًا صريحًا للأعراف والقوانين الدولية، وتجاوزًا لإرادة العالم العربي والإسلامي والمجتمع الدولي.

طالبت معظم دول العالم العراق بالانسحاب من الكويت، غير أن النظام العراقي رفض تلك المطالب.

وعلى إثر ذلك، تشكّل تحالف دولي ضم ثلاثًا وثلاثين دولة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وبمشاركة عدد من الدول العربية، وشنّت قوات التحالف هجمات عسكرية واسعة على العراق، ولا سيما على القوات العراقية الموجودة في الكويت.

انتهت الحرب باستسلام العراق في خيمة صفوان، حيث تلقّى الجيش العراقي ضربات قاسية، وتعرّض الاقتصاد الوطني لأضرار جسيمة، كما فُرض حصار دولي شامل على البلاد.

وفي الداخل كانت الأوضاع شديدة التوتر، إذ اتسعت رقعة الغضب الشعبي، حيث كان أكثر من سبعين في المئة من العراقيين ناقمين على النظام وينتظرون فرصة للتخلص منه.

ومع العزلة الدولية وانهيار معنويات الجيش بعد الهزيمة، بدأ نفوذ السلطة يتراجع في عدد من المحافظات، ولا سيما في الجنوب والشمال.

وفي هذا السياق خرجت جماهير كوردستان العراق في انتفاضة شعبية واسعة، دعمتها قوات البيشمركة، وقادتها الجبهة الكوردستانية والرئيس مسعود البارزاني.

وتمكن المنتفضون من السيطرة على معظم مدن كوردستان، وصولاً إلى كركوك، كما تشكّلت إدارات محلية في محافظات السليمانية وأربيل ودهوك وحلبجة وزاخو، وكانت تلك خطوة مهمة في تنظيم الحياة السياسية والإدارية في الإقليم.

وفي عام 1992 جرت انتخابات عامة، بناءً على اقتراح من الرئيس مسعود البارزاني، بهدف الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية القانونية والإدارية المدنية. وأسفرت تلك الانتخابات عن تأسيس برلمان كوردستان وتشكيل حكومة إقليم كوردستان، خاصة بعد فرض الحماية الدولية شمال خط العرض 36 من قبل قوات التحالف.

لكن، وعلى خلاف ما حدث في كوردستان، تمكنت الحكومة العراقية آنذاك من قمع انتفاضة الجماهير في جنوب العراق بالقوة.

وهكذا بقيت انتفاضة كوردستان واحدة من أبرز التحولات السياسية في تاريخ العراق الحديث، ومحطة مفصلية في مسيرة نضال الشعب الكوردستاني نحو الحرية والحقوق المشروعة.

قد يعجبك ايضا