إصبع الكردي والجحر الأمريكي*

إبراهيم اليوسف

تسرب قبل أيام خبر سريع مصدره مسؤول أمريكي صرح لقناة” فوكس نيوز” أن آلاف الكرد العراقيين شنوا غزواً برياً على إيران، وذلك بعد ساعات من تقارير أمريكية تحدثت عن تسليح الكرد في إطار الحرب الأمريكرائيلية/ الإيرانية، ورحت أتابع مصادر الخبر، فلم أعثر إلا على نبأ فعلي ألا وهو: تشكيل جبهة كردستانية، من أحزاب كردية إيرانية، للدفاع عن الكرد، ولها رؤيتها ، في حماية أهلها في خضم الحرب الدائرة في إيران، ليكون هذا الخبر محضَّ إعلامي لاستجرار الكرد إلى الحرب من دون أية ضمانات، وللتأليب عليهم، لاسيما أن الأمريكان من عداد أكثر من ترجموا العداء بين شعوب المنطقة، لاسيما بين الكرد وجيرانهم، وهم يزيلون ، على عادتهم- صاعق القنبلة الموقوتة- التي صنعتها الثقافات العنصرية ضد الكرد وأدارتها الأنظمة الحاكمة في الدول المقتسمة لخريطة كردستان، كي يتكرس العداء إلى مئة سنة أخرى.

تشير تجارب التاريخ إلى أن الغرب- بشكل عام- لم يكن في يوم من الأيام وفياً للكرد، بل إنه هو من قسم خريطته، ويتحمل الوزر التاريخي لمحاولات إبادته، وإن نظر إليه في محطات ما وفق منظوره المستجد لأهداف مستجدةـ كما بعيد مجزرة حلبجة التي ارتكبت في مثل هذه الأيام من آذار 1988 بحق الكرد، وبين الفتك بالثورة الكردية في السادس من آذار 1975، على هامش قمة منظمة أوبك في الجزائر، بحضور: شاه إيران محمد رضا بهلوي وصدام حسين، بوساطة الرئيس الجزائري هواري بومدين، والتي تنازل صدام حسين بموجبها عن- شط العرب- مقابل إيقاف دعم الشاه للثورة الكردية، من دون أن ننسى أن بين ما جرى، بل ما لا يزال يجري حتى الآن في كردستان سوريا، مسافة جدّ مرئية على خط – معاهدة سايكس بيكو 1916ـ، إذ لا تزال حتى الآن ثمة أشلاء أجساد الضحايا الكرد ـ من بناتهم وأبنائهم ـ في انتظار الإفراج عنها وتسليمها لذويها ودفنها في مهادها، ناهيك عن أعداد الأسرى الذين لمَّا يُفكَّ أسرهم بعد من قبل حكومة دمشق، بعد أن انقلب عليهم ـ ترامب ـ الذي تخلى عمن سُمّوا شركاء فعليين للتحالف ضد قوى الإرهاب.

ويبدو أن مخطط زج الكرد في الحرب من دون أية ضمانات مسبقة لم يأت من فراغ، فقد أشار دونالد ترامب في تصريح له، مشجعاً الأمر” في حال رغب الكرد بذلك”، ناهيك عن الاتصال الهاتفي بينه والرئيس مسعود بارزاني وكل من السيدين: بافل طالباني ومصطفى الهجري، وقد كان جدّ مهماً أن يكون الإجماع الكردي هو عدم الانخراط في هذه الحرب من دون سلسلة ضمانات تتجسد في استعادة الحق الكردي المغتصب الذي يرى العنصريون من مثقفي وساسة وعوام الدول المحتلة لخريطة كردستان في الاقتراب منه، أو الإشارة إليه، أو الذود عنه: خيانة، في الوقت الذي لا يرى هؤلاء جميعاً في واقع تقاسم خريطة كردستان من قبل كل طرف: احتلالاً، بل حقاً سماوياً، نتيجة غسيل دماغ هؤلاء من قبل عتاة عنصرييهم الأسلاف على مدى قرون!

والغريب أنه لا توجد حتى الآن رؤية لتحديد مستقبل- إيران- من -قبل راسم الأدوار وموزع المهمات الأمريكي- في مرحلة تغوله عبر الأسلحة ما بعد الحداثية، إذ لا تزال هناك احتمالات استمرارية النظام السابق متهالكاً، بأجنحة -مقصوصة- متهالكة، كما كل قوى المنطقة التي نالت نصيبها، أو من لا تزال تنتظر دورها عاجلاً أو آجلاً، فيما لو استمر هذا الجنون الأمريكي، المشرعن، غابيَّاً، والمسكوت عنه.

ثم إن تصوير الكردي عدواً للفارسي لمجرد اختلاف المذهب أو نتيجة انتماء سياسي طارئ، يتنافى مع القاسم الجغرافي التاريخي والذاكرة الحضارية المشتركة. فبين الشعبين وشائج أعمق من أن تجهز عليها خطابات الطائفية، إذ إن الجغرافيا نفسها صاغت بينهما تداخلاً بشرياً وثقافياً طويلاً، وتجاورت بل تقاطعت لغتاهما في فضاء واحد، وتقاطعت مسارات الشعر والحكمة والأسطورة في تراثهما، حتى بدا أحياناً أن جذور الشجرة واحدة وإن اختلفت أغصانها. لذلك فإن الخصومة المصطنعة بينهما لا تعكس حقيقة التاريخ- شأن علاقات الجوار مع شركائهم الآخرين- بقدر ما تعكس صنيع طغاة إيران و رغبة قوى أخرى في تفكيك هذا الإرث المشترك. فكلما ضعفت الأمم التي كانت حاملة لمدنية راسخة، هرع الطامعون إلى ميراثها، لا ليصونوه بل ليقتسموه ويعيدوا صياغته وفق مصالحهم، حتى غدا كثير من خطاب السلطة الدينية والسياسية أسير قراءة ضيقة للتاريخ، قراءة تنكمش فيها العقول داخل دوائر التأويل المغلق. من هنا يصبح استدعاء الكردي باعتباره خصماً للفارسي ظلماً مزدوجاً: ظلماً للذاكرة المشتركة التي صنعتها قرون طويلة، وظلماً لحقيقة أن الحضارات الكبرى في هذه المنطقة لم تنشأ عبر القطيعة، بل عبر التداخل والتفاعل وتبادل الأثر، إلا أن الظلم الذي تعرض له الكرد من قبل طغاة- إيران- في زمني الشاهنشاه آريا مهر والملالي أمر يستدعي مطالبة الكردي بحقوقه القومية، وفق مصلحته، لأن إيران الحديثة تبتلع جزءاً من خريطة وشعب كردستان، ولا سبيل لعيش الكردي في كردستانه إلا بعد استقلالها وتحريرها، بعد إفشال طغاة إيران ومحتلي كردستان لغة التعايش عبر ممارسة البطش والإبادة بحق الكردستانيين.

حقيقة لقد تعلم الكرد كثيراً من دروس التجارب المريرة أن الكثير من القوى تستغل واقعهم المجزأ وفطرتهم الإنسانية النبيلة، من خلال محاولة زجهم في معادلات محلية أو إقليمية في خدمة مخططات آنية، ومن ثم التخلي عنهم، وتركهم يواجهون مصيرهم مثقلين بتبعات انتفاضة أو ثورة أو حرب، ليكونوا- الخاسر الوحيد- في المنطقة، ولقد روي عن الزعيم ملا مصطفى بارزاني- رحمه الله- قوله عقب اتفاقية الثلاثي: – بومدين- الشاه- صدام- الكثير عن غدر الغرب والأمريكان.

وحقيقة فإن أربيل لم تنج من حقد ملالي إيران، فها هي أحد أبرز عناوين منصات قصفها الصاروخي، كما دولة الإمارات، بيد أن الأنظار تتوجه إلى الكرد، رغم وجود قوى داخل إيران من غير الكرد، ناهيك عن وجود دول خليجية منظمة قادرة على تنفيذ وحسم المخطط الأمريكي فيما لو أريد ذلك، وهو ما يجعل الدم الكردي أكثر ـ مجانيةـ لدى الغرب، باعتباره دم – أيتام الشعوب- الذي كانوا سادة التاريخ.

لهذا، فإن الموقف الصائب من هذه الحرب ـ المرشحة للتوسع- في المنطقة لا يمكن أن يكون إلا موقفاً واضحاً لا لبس فيه: إذ علينا جميعاً أن نكون ضد الحروب، كيفما كانت، طالما أن هناك بديلاً سلمياً قد يؤدي الهدف. ضد كل حرب تُفتح أبوابها باسم المصالح أو النفوذ، لأن حياة البشرـ على مختلف هوياتهم ـ أثمن من أن تُلقى في أتون صراعات تُدار من غرف عمليات مجهولة/معروفة بعيدة، أو قريبة، ثم تُترك الشعوب وحدها أمام المقابر، فيما إذا “حظيت” بالعثور على أشلاء أجساد بنيها، على ألا نرى في الخرائط الاعتباطية التي ابتلعت حقوق شعوب أخرى مقدسة ما لم يتم إنصافها، فيما لو كنا منصفين غير مصابين وغير ملوثين، بحمى فيروس العصبية واستعباد الآخر، واستبعاده عن مسرح جغرافياه وتاريخه، لأن حكمة التاريخ أكدت منذ قتل” قابيل” لشقيقه” هابيل” أن الحروب التي تشتعل عبر آلة العنف لا تخلّف إلا جراحات مثخنة وندوباً لا تمحى، وأن السلام مهما بدا بطيئاً أو صعباً يبقى الطريق الأجدر بالكرامة الإنسانية، شريطة إعادة هيكلة برنامج حكام الأسرة الدولية لحل القضايا العالقة للشعوب وبؤر توتر العالم، ومن بينها الشرق الأوسط: قضية كردستان، قضية فلسطين، وغيرهما من الشعوب المحالة إلى “قائمة المحو” أو “الانقراض التدريجي” لذلك فإن حل الإشكالات بين الدول والشعوب ينبغي أن يُبحث عنه بالعقل والحوار والعدالة، لا بلغة المدافع والصواريخ. إذ لا يمكن لإزهاق الأرواح وهدر الدماء أن يصنعا نصراً حقيقياً، لأنهما يورّثان أجيالاً أخرى جراحاً مفتوحة، وهو ما يؤكد أن الأمل سيظل معقوداً ـ في كل زمان ومكان ـ على صوت الحكمة قبل تنظيرات وحماسيات الحروب وأوارها.

وبالعودة إلى الخبر الذي روج على نطاق واسع، فإنه كما يتبين- مدسوس- بدقة، هدفه دفع الكرد إلى حرب لن تكون لهم فيها ناقة ولا جمل، رغم السلب التاريخي لنياقهم، ودوابهم، وماعزهم، وإبلهم، وجمالهم، وسهولهم، وبواديهم، وجبالهم، في محاولة سلب وجودهم، وإبادتهم، كي يتم استكمال تشويه العلاقة بين الكردي وجاره، كي يقول دونالد ترامب فيما إذا وجه إليه اللوم ضمن سقفه الإعلامي ذات مؤتمرصحفي: ثمة من عمل بأجره، فحسب، رغم أن هدف الكردي- كردستانه- وليس البندقية وثمن طلقاتها مما لا يقبل به إلا تاجر، عرضي، مسترخص لدماء أهله. رخيص!

*
لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين

قد يعجبك ايضا