د. محمود عباس/ الولايات المتحدة
الحلقة الثالثة
بعد سؤال المرجعية في الحلقة الأولى، وسؤال طبيعة المرحلة في الحلقة الثانية، يبرز سؤال أكثر إلحاحًا، إذا كان الصراع بين أطراف المشهد الكوردي في غربي كوردستان لا ينتج حسمًا، ولا يحقق غلبة نهائية لأي طرف، فلماذا يستمر؟ بل لماذا يتصاعد أحيانًا في لحظات يكون فيها الهدوء أكثر فائدة للجميع؟
لفهم ذلك، لا بد من الانتقال من مستوى الخطاب إلى مستوى البنية.
أول معطى بنيوي واضح هو توازن القوى. لا الإدارة الذاتية قادرة على إلغاء المجلس الوطني الكوردي، ولا المجلس الوطني قادر على إنهاء حضور الإدارة الذاتية، والحديث يشمل مؤيدي الطرفين، أي أغلبية الشارع الكوردي المنقسم على بعضه. هذا التوازن يمنع الحسم، ويجعل الصراع صفريًا في ظاهره، لكنه دائري في جوهره. لا غالب ولا مغلوب، بل جولات متعاقبة من التصعيد والانكفاء.
حين يكون الحسم مستحيلًا، يتولد توتر دائم. هذا التوتر لا يختفي لمجرد غياب الاشتباك الإعلامي أو السياسي؛ بل يبقى كحالة كامنة داخل كل طرف. ومع الوقت، يتحول التوتر إلى حاجة تنظيمية، تحتاج القواعد إلى تعبئة، وتحتاج القيادات إلى تبرير استمرار الاصطفاف، ويحتاج كل مشروع إلى تعريف نفسه في مقابل الآخر. وهنا تنشأ آلية أخطر، يصبح الصراع، لا نتيجة الخلاف فحسب، بل وسيلة لإعادة إنتاج التماسك الداخلي.
ثمة بُعد نفسي–تنظيمي لا يمكن تجاهله في هذا السياق. فالتنظيمات العاملة في بيئات هشّة تميل إلى الخوف من الفراغ أكثر من خوفها من الصراع. الصراع يمنحها وضوحًا في التعريف، ويُبقي القواعد في حالة تعبئة، ويُعزز شعور الانتماء عبر المقارنة الدائمة مع الآخر. أما التهدئة الطويلة، فتفتح أسئلة داخلية أصعب، ما هو الإنجاز؟ ما هو الأفق؟ ما هو الفرق الحقيقي؟ لذلك قد يصبح استمرار التوتر، ولو بدرجات متفاوتة، وسيلة لتفادي مواجهة هذه الأسئلة المؤجلة.
في البيئات السياسية المستقرة، كالدول الأوروبية، يُقاس النجاح بمدى الإنجاز المؤسسي. أما في البيئات غير المستقرة كدول الشرق الأوسط، وكوردستان ضمنا، فيُقاس أحيانًا بمدى القدرة على الحفاظ على القاعدة. وعندما تكون الإنجازات معقدة أو محدودة بفعل الظروف، كما حصل في غربي كوردستان، يصبح (الخصم الداخلي) عنصرًا تعبويًا فعالًا. لا يُصنع الصراع من العدم، لكنه يُعاد تضخيمه، ويُعاد تأطيره، كلما دعت الحاجة إلى شدّ الصفوف.
لهذا نلاحظ نمطًا يتكرر، وغربي كوردستان خير مثال، كلما هدأت السجالات، ظهرت قضية جديدة. كلما اقترب خطاب التهدئة، ارتفع خطاب التخوين. كلما لاحت إمكانية تفاهم، تصاعدت لغة الريبة. ليس لأن الخلافات غير موجودة، بل لأن إدارة الخلاف بهدوء لا توفر الطاقة التعبوية التي يوفرها التصعيد. أخطر مراحل الصراع ليست حين يحتدم، بل حين يصبح ضروريًا لبقاء أطرافه. حين يتحول الصراع من نتيجةٍ للخلاف إلى شرطٍ للاستقرار التنظيمي، يدخل المجال الوطني مرحلة تآكل صامت.
هذا لا يعني أن أحد الأطراف يتعمد الإضرار بالمجال الكوردستاني، بل يعني أن البنية ذاتها تنتج هذا السلوك. حين يكون المجال هشًا، والشرعية موضع تنازع، والاعتراف الدولي محدودًا، يتحول الصراع إلى أداة تثبيت ذاتي. كل طرف يخشى أن يُقرأ التنازل ضعفًا، وأن يُفسَّر الحوار تراجعًا، وأن تُحسب المرونة خسارة في ميزان القواعد.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح، ما كلفة هذا النمط من الاستمرار في ظل توازن القوى، في غربي كوردستان، بل وربما في كل كوردستان؟ لا يؤدي التصعيد إلى حسم، بل إلى استنزاف متبادل. والاستنزاف لا يبقى في حدود السياسة؛ بل يتسرب إلى المجتمع، ويُضعف الثقة العامة، ويخلق حالة إنهاك نفسي لدى الناس الذين يرون القيادات تتنازع بينما التحديات الوجودية لم تختفِ. ومع كل جولة صراع، يتراكم تآكل غير مرئي في صورة المشروع الكوردي في غربي كوردستان.
المفارقة أن الجميع يدرك، في لحظات الصراحة، أن لا أحد قادر على الإلغاء، وأن الصراع المفتوح لن ينتج منتصرًا نهائيًا. ومع ذلك يستمر المسار ذاته. لماذا؟ لأن كلفة التراجع داخل كل تنظيم تبدو، في المدى القصير، أعلى من كلفة التصعيد. فيختار كل طرف حماية تماسكه الداخلي، حتى لو كان الثمن تآكل المجال المشترك. هنا يكمن جوهر الإشكالية، يتحول الصراع من وسيلة لتحقيق هدف، إلى هدف ضمني للحفاظ على التوازن الداخلي. وعندما يصل الصراع إلى هذه المرحلة، يصبح الخطر مضاعفًا، لأنه لا يعود مرتبطًا بملف محدد يمكن حله، بل ببنية نفسية–تنظيمية تعيد إنتاج نفسها.
إن تفكيك هذه الآلية لا يقتضي إلغاء الخلافات، بل يتطلب وعيًا بها. حين يُدرك الفاعلون السياسيون في كل أطراف الحراك الكوردي، وليس فقط في قطبي الاستقطاب، أن استمرار التوتر يخدم استقرارهم الداخلي أكثر مما يخدم كوردستان، يمكن عندها إعادة تعريف المكسب والخسارة. فالمكسب الحقيقي لا يكون في تسجيل نقاط على الخصم، بل في تقليص مساحة الاستنزاف المشترك.
إن التنظيم قد ينجو من جولة صراع، وقد يعزز تماسكه عبرها، لكن المجال الوطني لا ينجو من التآكل المتكرر. وفي مرحلة لم تُحسم فيها قضايا السيادة والاعتراف، يصبح أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الخصومة إلى ضرورة، والتوتر إلى حالة طبيعية، والانقسام إلى نمط مستدام، وهذا ما يلاحظ طوال القرن الماضي من تاريخ كوردستان. حينها لا يكون السؤال: من انتصر؟ بل، ماذا بقي من المجال المشترك بعد كل جولة؟
الصراع قد يمنح التنظيمات شعورًا مؤقتًا بالقوة، لكنه يمنح الخصوم الاستراتيجيين فرصة دائمة. وفي ميزان المدى الطويل، لا يخسر أحد بقدر ما تخسر كوردستان ليس فقط في غربيها، بل في كل أجزائها.