الفصل الاخير من أسطورة الردع

مظفر مزوري

بينما كانت سماء المنطقة تضج بأصوات الانفجارات، كانت هناك أرقام صامتة ترسم مشهداً مختلفاً خلف الكواليس. تشير بيانات المصادر المفتوحة (OSINT) إلى أن ما نشهده ليس مجرد جولات قتالية، بل هو استنزاف بنيوي متسارع للقدرات الإيرانية، وهو ما أكدته التصريحات الأمريكية الأخيرة حول تداعي الترسانة الصاروخية لطهران تحت مطرقة الضربات الجوية المركزة.

دخلت المواجهة منعطفاً غير مسبوق. الحديث هنا لا يدور عن ضربة عسكرية عادية، بل عن حدث قد يغيّر بنية السلطة في طهران، بعد الأنباء التي تحدثت عن مقتل المرشد علي خامنئي في ضربة جوية استهدفت مقره، لتلحق به نخبة القيادة العسكرية، وعلى رأسهم وزير الدفاع عزيز نصير زاده، وقائد الحرس الثوري محمد باكبور، وأمين مجلس الدفاع علي شمخاني. هذا الفراغ السيادي المفاجئ لم يضرب مراكز اتخاذ القرار فحسب، بل أصاب منظومة القرار العسكري بالارتباك.

عند النظر في الإحصائيات اليومية للهجمات، نجد أننا أمام منحنى بياني يهبط نحو القاع بسرعة غير متوقعة:

أولاً: الصواريخ الباليستية
بدأ الهجوم بزخم هائل (350 صاروخاً) في اليوم الأول، لكنه سرعان ما فقد قوته الدافعة ليصل في اليوم الخامس إلى (40 صاروخاً) فقط. هذا الانهيار بنسبة تجاوزت 88% يعكس حقيقة أن “المنصات” التي تطلق هذه الصواريخ أصبحت أهدافاً مكشوفة يتم اصطيادها قبل أن تفرغ حمولتها، مما حوّل المخزون الصاروخي إلى عبء ثابت بدلاً من سلاح متحرك.

ثانياً: المسيرات
في اليوم الثاني حاولت طهران تغيير التكتيك، ودفعت بعدد كبير من المسيرات دفعة واحدة “أكثر من 500 وفق بعض التقديرات” في محاولة لإغراق الدفاعات الجوية. لكن هذا النفس الطويل انقطع سريعاً؛ فبحلول اليوم الخامس، تهاوى الرقم إلى (45) مسيرة فقط، ما قد يشير إلى أن مراكز التحكم تعرضت لضربات قاسية، وربما جرى تحييد جزء كبير منها.

ثالثاً: صواريخ كروز
بإجمالي لم يتجاوز 25 صاروخاً طوال الأيام الخمسة، يظهر “كروز” كأنه السلاح الذي تحاول طهران ادخاره للحظة اليأس الأخيرة. هذا الشح في الاستخدام ليس كرماً، بل هو انعكاس لخشية النظام من فقدان ما تبقى من أسلحته الأكثر دقة وتطوراً، خاصة مع مراقبة الأقمار الصناعية لكل تحرك على الأرض.

أمنياً.. إيران لم تعد تواجه “حرب استنزاف”، بل تواجه تآكلاً واضحاً في البنية العسكرية لأسباب عديدة، منها:

اولاً: مقتل رأس الهرم “المرشد” وقادة الأركان أحدث “فراغاً قرارياً”. ففي العقيدة الإيرانية، أوامر الإطلاق الاستراتيجية مركزية؛ وغياب القيادة أدى إلى انقطاع التسلسل الهرمي، مما جعل الوحدات الصاروخية الميدانية تعمل في جزر معزولة بلا إحداثيات أو غطاء سياسي.

ثانياً: التراجع الحاد في الأرقام لا يعني نفاد المخزون، بل تدمير “الوسائط”. فقد نجح الخصم في تقليص الزمن بين الرصد والاستهداف، بمجرد تحريك المنصة أو تفعيل الرادار، يتم تدميرها فوراً. هذا التفوق الاستخباري الجوي جعل تكلفة محاولة الإطلاق تعني “انتحار الطاقم”.

ثالثاً: الضربات لم تستهدف الصواريخ فقط، بل طالت عصب الإمداد، مثل مستودعات الوقود السائل، و ورش تجميع المسيرات، ومراكز التوجيه بالأقمار الصناعية. ما أدى إلى جفاف عملياتي، حيث توجد الصواريخ في الأنفاق لكنها تفتقر إلى الوقود أو أنظمة التوجيه اللازمة للإطلاق.

رابعاً: محاولة اليوم الثاني باستخدام (541 مسيرة) كانت اختباراً لكسر الدفاعات الجوية عبر الكثافة العدديّة، وفشل هذه المحاولة وانخفاض الرقم بعدها بنسبة 90% يؤكد أن “مراكز التحكم الأرضية” للمسيرات تم تحييدها بالكامل، مما أفقد النظام سلاحه الأرخص والأكثر مرونة.

خامساً: شح استخدام صواريخ كروز (25 صاروخاً فقط) يشير إلى إدراك إيراني بأن أنظمة التشويش والحرب الإلكترونية الغربية جعلت من هذه الأسلحة أجساماً عمياء سهلة الاصطياد، ففضل النظام عدم استهلاك ما تبقى من أسلحة دقيقة في معركة خاسرة تقنياً.

في النهاية، الأرقام وحدها لا تحسم الحروب.
لكنها أحياناً تكشف ما لا تقوله البيانات الرسمية: أن ميزان القوة على الأرض يتغير بسرعة أكبر مما تعترف به الأطراف المتحاربة، فهذا التراجع الحاد في الأرقام يخبرنا أن أسطورة الردع التي بُنيت على مدار عقود بدأت تتفكك أمام واقع تكنولوجي واستخباراتي لا يرحم.

الأمر لا يتعلق فقط بنفاد الصواريخ من المخازن، بل بنفاد الوقت والمساحة الآمنة التي كان يتحرك فيها القادة الميدانيون. إن شعور الجندي أو الفني الذي يقف خلف المنصة وهو يعلم أنه مرصود، وأن الثواني التي تسبق الإطلاق قد تكون هي الأخيرة في حياته، هو العامل الذي يكسر وتيرة الحرب قبل أن تكسرها الآلة.

قد يعجبك ايضا