لورنس نادر مخو
تُعدّ مسألة سيادة الدولة في منطقة الشرق الأوسط من القضايا المعقّدة والحسّاسة، نظراً إلى أن كثيراً من دول المنطقة تعاني ضعفًا في ممارسة سيادتها الكاملة على أراضيها وقراراتها السياسية. وفي هذا السياق، تبرز تركيا بوصفها نموذجاً مختلفاً في تجسيد مفهوم السيادة وتعزيزه على المستوى الإقليمي.
تتمتع تركيا بثقلٍ سياسي وعسكري واقتصادي واضح في المنطقة، الأمر الذي مكّنها من ترسيخ حضورها الإقليمي والدولي. كما استطاعت الحفاظ على سيادتها البرية والجوية والبحرية، بحيث يصعب على أي طرف خارجي المساس بحدودها أو انتهاك مجالها الحيوي. ولا تنبع هذه القوة من فراغ، بل هي نتيجة تراكمات تاريخية وسياسات مدروسة عزّزت مكانة الدولة ومؤسساتها. وتُعدّ تركيا من القوى الإقليمية المؤثرة في الشرق الأوسط، ويستند نفوذها إلى مجموعة من العوامل، من أبرزها قوة مؤسساتها السياسية، ونمو اقتصادها، فضلًا عن موقعها الاستراتيجي الذي يربط بين آسيا وأوروبا. وقد مكّنت هذه العوامل مجتمعةً تركيا من فرض نفسها لاعبًا أساسيًا في معادلات التوازن الإقليمي.
لذلك تسعى العديد من الدول الكبرى إلى بناء علاقات وثيقة معها، إدراكًا لأهميتها في إدارة الأزمات الإقليمية. وفي ظل تصاعد التوترات في المنطقة، ولا سيما في سياق المواجهات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برزت مؤشرات على استهداف قواعد ومواقع عسكرية أمريكية في بعض دول المنطقة. ومع ذلك، لم تُستهدف القواعد الأمريكية الموجودة في الأراضي التركية، ومنها قاعدة إنجرليك الجوية في ولاية أضنة، التي تُعد من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة. ويُعزى ذلك إلى جملة من الأسباب، من بينها إدراك الأطراف الإقليمية لحساسية الموقع التركي وطبيعة سيادته وحدود الردع التي تفرضها الدولة التركية.
ولعلّ حادثة إسقاط تركيا الطائرة الروسية “سوخوي 24” في 24 تشرين الثاني 2015، بعد دخولها المجال الجوي التركي، تُعدّ مثالًا واضحًا على تمسّك أنقرة بمفهوم السيادة وحدودها. فمثل هذه المواقف تعكس سعي الدولة إلى حماية مجالها الجغرافي ومصالحها الاستراتيجية، ولو كان الطرف الآخر قوة كبرى.
هكذا يبرز دور تركيا بوصفها دولة تسعى إلى حماية مصالحها والحفاظ على توازن موقعها الاستراتيجي وسط التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط. وبذلك تمثل تركيا نموذجًا لدولة استطاعت، عبر أدواتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، ومن خلال توظيف موقعها الجغرافي، أن تعزّز مفهوم السيادة وتجعله عنصرًا فاعلًا في رسم دورها الإقليمي.