سالي علي
عندما تتحدث العواصم الكبرى عن “تغيير النظام”، فإنها لا تبحث فقط عن أدوات خارجية، بل عن مفاتيح داخلية. وفي حالة إيران، لا يمكن تجاهل أن إحدى أكثر الجغرافيات حساسية هي كوردستان إيران؛ ليس لأنها هامش، بل لأنها عقدة تداخل بين القومي والأمني والإقليمي.
في أي سيناريو تصعيد تقوده واشنطن، سيبرز سؤال الكورد داخل إيران بوصفه احتمالًا مطروحًا:
هل يمكن أن يشكلوا رافعة ضغط حقيقية؟ وهل يملكون القدرة – أو الرغبة – في الدخول في مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم ملامح الدولة الإيرانية؟
أولًا: الواقع الداخلي لكوردستان إيران
كورد إيران ليسوا كتلة واحدة قابلة للتحريك بقرار خارجي.
لديهم أحزابهم، تنظيماتهم، وتاريخ طويل من التوتر مع السلطة المركزية. لكنهم أيضًا يعيشون داخل دولة تمتلك جهازًا أمنيًا شديد المركزية، وخبرة عميقة في احتواء التمردات.
أي تحرك مسلح واسع لن يكون مجرد إعلان موقف سياسي، بل مواجهة مباشرة مع منظومة دولة كاملة.
وهنا يكمن الفارق بين الاحتجاج السياسي وبين الانخراط في مشروع تغيير نظام.
الرهان الخارجي غالبًا يفترض أن الضغط العسكري يولد انهيارًا داخليًا سريعًا. لكن التجارب تشير إلى أن الأنظمة الممركزة أمنيًا قد تتماسك تحت الضغط الخارجي بدل أن تتفكك.
ثانيًا: هل تستطيع واشنطن تكرار تجربة “الحليف الميداني”؟
المقارنة مع تجربة قوات سوريا الديمقراطية تبدو حاضرة في أذهان البعض. لكن السياق مختلف جذريًا.
في سوريا كان هناك فراغ سلطة واسع، وتنظيم عابر للحدود مثل داعش منح شرعية دولية لتدخل عسكري مباشر.
أما في إيران، فالمواجهة تعني صدامًا مع دولة ذات سيادة، بجيش نظامي وبنية مؤسساتية قائمة.
التجربة الكردية مع القوى الكبرى علمت القيادات الكردية درسًا أساسيًا: الدعم الدولي مشروط بالظرف، لا دائمًا بالمبدأ.
الانسحاب الأميركي المفاجئ من شمال سوريا عام 2019 لم يكن حدثًا عابرًا في الذاكرة الكردية.
أي قيادة كردية في إيران أو العراق ستضع هذا المثال أمامها قبل التفكير في أي تحالف عسكري طويل الأمد.
ثالثًا: ما الذي قد يكسبه كورد إيران؟
إذا افترضنا سيناريو تغيّر سياسي عميق داخل إيران، فقد يفتح ذلك بابًا لإعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف. قد تظهر فرصة لاعتراف دستوري أوسع، أو لصيغة لامركزية حقيقية.
لكن هذا الافتراض مرتبط بشرطين صعبين:
1.أن يحدث التغيير فعلًا.
2.أن لا يتحول الفراغ الناتج إلى فوضى مسلحة.
التجارب الإقليمية تُظهر أن سقوط الأنظمة لا يعني تلقائيًا صعود حقوق القوميات، بل أحيانًا العكس تمامًا.
رابعًا: ماذا لو لم يتحرك الكورد؟
هناك من يرى أن واشنطن تحتاج “أوراقًا داخلية” لإحداث تغيير سياسي في إيران، وأن عدم تحرك الكورد يضعف هذا المسار.
لكن السؤال الأعمق:
هل وظيفة كوردستان إيران أن تكون أداة لإسقاط نظام، أم أن أولويتها حماية مجتمعها من أن يتحول إلى ساحة حرب؟
التغيير في إيران – إن حدث – سيكون نتيجة تراكم داخلي معقّد: أزمة اقتصادية، انقسام داخل النخبة، ضغط شعبي واسع، وتصدع في مراكز القرار. العامل الكردي قد يكون عنصرًا ضمن الصورة، لكنه ليس مفتاحها الوحيد، ولا محركها الأوحد.
خامسًا: الحساب الأخطر
أي مواجهة مفتوحة في كوردستان إيران لن تبقى محلية. ستنعكس فورًا على إقليم كردستان، وعلى التوازن العراقي، وعلى الحدود الطويلة الممتدة بين البلدين.
إيران لن تنظر إلى التحرك الكردي كملف داخلي فحسب، بل كامتداد لصراع دولي. وهنا يرتفع منسوب المخاطر إلى مستوى إقليمي شامل.
في نهاية المطاف، ليست القضية ما إذا كانت واشنطن تحتاج الكورد لإسقاط النظام الإيراني، بل ما إذا كان الكورد مستعدين لدفع كلفة أن يكونوا في قلب هذه المعادلة.
القوة لا تُقاس فقط بالقدرة على إشعال المواجهة، بل بالقدرة على اختيار توقيتها… أو رفضها.
وكوردستان إيران اليوم تقف أمام سؤال تاريخي ثقيل:
هل تدخل معركة قد تغيّر شكل الدولة الإيرانية، أم تنتظر تحولات الداخل دون أن تتحول هي نفسها إلى ساحة اختبار لإرادات الآخرين؟