عرفان الداوودي
يتكرر القصف بالطائرات المسيّرة والصواريخ على إقليم كوردستان في مشهد يثير القلق والاستنكار، ليس لأنه يستهدف أرضاً آمنة فحسب، بل لأنه يهدد الاستقرار الذي حافظ عليه الإقليم طوال السنوات الماضية رغم ما يحيط بالمنطقة من أزمات وصراعات. إن هذه الهجمات التي تنفذها فصائل مسلحة خارجة عن القانون تمثل اعتداءً صريحاً على الأمن والاستقرار، وتضع علامات استفهام كبيرة حول صمت بعض الجهات الرسمية إزاء هذا التصعيد الخطير.
لقد اختار إقليم كوردستان منذ سنوات طريق السلام والتعايش، وحرص على أن يبقى بعيداً عن دوامات الحروب والصراعات الإقليمية. وأكد مراراً أنه لن يكون جزءاً من أي صراع عسكري أو تصعيد في المنطقة، وأن جميع الخلافات والمشكلات يجب أن تُحل عبر الحوار والوسائل السلمية. هذه الرؤية لم تكن مجرد شعار سياسي، بل كانت نهجاً عملياً حافظ على استقرار الإقليم وجعله ملاذاً للأمان مقارنة بما تشهده مناطق عديدة من اضطرابات.
إن استمرار القصف بالطائرات المسيّرة على مدن ومناطق كوردستان لا يهدد حياة المدنيين فحسب، بل يهدد أيضاً الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويبعث برسائل سلبية إلى المجتمع الدولي بأن هناك جهات تحاول جرّ الإقليم إلى صراعات لا علاقة له بها. والأخطر من ذلك هو الصمت الذي يلف بعض المؤسسات الرسمية، سواء في الحكومة أو البرلمان، تجاه هذه الاعتداءات المتكررة، في وقت يفترض فيه أن يكون الدفاع عن سيادة البلاد وحماية المواطنين موقفاً واضحاً لا يقبل التردد أو المجاملة.
كما أن محاولات بعض الأصوات المتطرفة تحميل إقليم كوردستان مسؤولية هذه التوترات، أو توجيه الاتهامات إليه، تمثل خطاباً غير مسؤول يبتعد عن الحقيقة ويصب في مصلحة من يسعى إلى إشعال الفتنة وتعميق الانقسام. فبدلاً من البحث عن شماعات سياسية، ينبغي الوقوف بوضوح ضد أي جهة خارجة عن القانون تستخدم السلاح لفرض إرادتها أو لتهديد أمن المواطنين.
إن كوردستان كانت وستبقى أرضاً للسلام والتعايش بين مختلف المكونات، ورسالتها واضحة: لا للحروب، ولا لتحويل أرضها إلى ساحة لتصفية الحسابات. فالفخر والمجد لكل فرد كوردستاني حافظ على هذا النهج، ورسالة الصمود التي يحملها أبناء الإقليم اليوم هي تأكيد على إرادة العيش بحرية وكرامة، بعيداً عن العنف والدمار.
إن حماية كوردستان واستقرارها ليست مسؤولية الإقليم وحده، بل هي مسؤولية وطنية وأخلاقية تقع على عاتق جميع القوى السياسية والمؤسسات الرسمية. فالأمن لا يتجزأ، وأي اعتداء على كوردستان هو اعتداء على استقرار العراق بأكمله. ومن هنا، فإن المطلوب اليوم موقف واضح وصريح يدين هذه الهجمات ويضع حداً للفوضى والسلاح المنفلت، حفاظاً على أمن المواطنين وعلى مستقبل يسوده السلام والاحترام المتبادل.
فكوردستان، التي عرفت معنى النضال والتضحيات، لن تنحني أمام التهديدات، ولن تكون ساحةً لحروب الآخرين، بل ستبقى رمزاً للصمود وإرادة الحياة بكرامة وشموخ .