هيام حاجي احمد- باحثة اكاديمية، متخصصة في التاريخ الحديث و المعاصر
بعد أكثر من قرن على توقيع معاهدة سيفر، ما زال سؤال الدولة الكوردية حاضرًا في الوعي السياسي للمنطقة والعالم. فبين جغرافيا معقّدة ومصالح دولية متشابكة، بقي هذا السؤال التاريخي مفتوحًا، ينتظر اللحظة التي يتحول فيها من قضية مؤجلة إلى واقع سياسي.
تقع كوردستان في قلب الشرق الأوسط عند تقاطع طرق الطاقة والتجارة بين آسيا والغرب، وهو موقع منحها أهمية استراتيجية كبيرة عبر التاريخ. هذا الموقع أتاح للكورد بناء علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي، وأظهر الإقليم نموذجًا أكثر استقرارًا مقارنة بمحيطه المضطرب. غير أن هذا الانفتاح الدولي أثار في المقابل مخاوف بعض دول الجوار، التي ترى أن تحوّل كوردستان إلى شريك دولي مستقر قد يغيّر موازين القوى في المنطقة. وهكذا أصبحت الجغرافيا التي تمنح كوردستان أهميتها الاستراتيجية هي نفسها أحد أسباب تأخر قيام دولتها.
غير أن القضية الكوردية لا تقف عند حدود الجغرافيا ومخاوف التوازنات الإقليمية، بل تمتد جذورها أيضًا إلى إطارٍ قانونيٍّ دوليٍّ تشكّل منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. وتظل معاهدة سيفر (1920) هي «شهادة الميلاد» الحقيقية للهوية السياسية الكوردية. ورغم محاولات دفنها سياسيًا، فإنها بقيت حيّة في ضمير القانون الدولي ومثبتة في سجلات المعاهدات الدولية. ولأن المعاهدات التي تنصّ على استفتاء لا تنتهي إلا بتنفيذه، فإن ما قام به المرجع القومي الكوردي مسعود بارزاني عندما أقرّ إجراء الاستفتاء عام 2017 يمكن اعتباره خطوةً استباقية أعادت طرح هذا الحق على أرض الواقع. فبدل انتظار إذن العالم، عبّر الشعب الكوردي عن إرادته، محوّلًا هذا الحق من مجرد نص قانوني نظري إلى واقعٍ سياسيٍّ ملموس يصعب تجاهله.
إن التاريخ يثبت أن السياسات الدولية كثيرًا ما ترتكب أخطاءً فادحة. ففي عام 1990، وأثناء الانتفاضة، فضّل المجتمع الدولي الإبقاء على النظام وعدم إسقاطه، حرصًا على عدم تفكك المنطقة أو تصاعد الصراعات الطائفية. غير أن ما حدث بعد عام 2003 أعاد إنتاج السيناريو الذي كان يُخشى منه؛ إذ تصاعدت التدخلات الإقليمية وتعززت الانقسامات الطائفية، حتى أصبح العراق ساحةً لتجاذبات إقليمية واضحة. واليوم، ومع مراجعة كثير من نتائج تلك السياسات، ومحاولات إعادة ترتيب التوازنات في المنطقة، يبرز السؤال الكوردي من جديد: إذا كان المجتمع الدولي قد أعاد النظر في خرائط وقرارات سياسية كثيرة عبر التاريخ، فلماذا لا يُعاد النظر في القضية الكوردية أيضًا؟ وإذا كان العالم يصحح أخطاءه، فلماذا لا يتم تصحيح أحد أقدم هذه الأخطاء التاريخية
يبيّن التاريخ السياسي للقرن العشرين أن الخرائط ليست قدرًا ثابتًا، بل تتغير عندما تتطور مفاهيم القانون الدولي وتفرض الشعوب إرادتها. لقد شهد العالم بعد الحرب العالمية الثانية تصحيحًا لأوضاع شعوب كثيرة كانت مقسمة أو خاضعة لترتيبات سياسية غير عادلة، لكن الكورد ظلوا الاستثناء الأكثر وضوحًا في هذه المعادلة. إن استمرار تقسيم شعب يمتلك لغة وثقافة وتاريخًا مشتركًا بين عدة دول هو خطأ تاريخي آن أوان مراجعته. وربما أصبح السؤال اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: إذا كان التاريخ قد صحّح أخطاء كثيرة في خريطة العالم، فمتى يأتي الدور لتصحيح الخطأ الأكبر في خريطة الشرق الأوسط؟