على إقليم كوردستان أن يعيد ترتيب أوراقه…

د. فیصل صادق توفيق/ دكتوراه في القانون الدولي والدستوري

تدخل المنطقة اليوم واحدة من أكثر مراحلها اضطرابا منذ سنوات، حيث لم يعد التصعيد العسكري والأمني احتمالا مؤجلا، بل واقعا متحركا تتداخل فيه الضربات، والرسائل، وحروب الظل، وتصفية الحسابات الإقليمية على أراض مفتوحة. وفي هذا المشهد المتوتر، لا تمنح الكيانات السياسية المزيد من الوقت ولا ميزة الخصوصية، بل تقاس أدوارها بقدرتها على الصمود، وضبط إيقاعها، وتحديد موقعها بوضوح. وهنا تحديدا يبرز التحدي أمام إقليم كوردستان.

فالإقليم ليس بمعزل عن هذا التصعيد، حتى وإن لم يكن طرفا مباشرا فيه. موقعه الجغرافي، وطبيعة علاقاته، ووجوده ضمن دولة تعيش بدورها توترات داخلية وخارجية، يجعله في دائرة التأثر الدائم. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح سياسة الانتظار أو الاكتفاء بتفادي الأسوأ غير كافية، لأن التوازنات الجديدة تصاغ بسرعة، ومن لا يحدد موقعه بدقة قد يدفع إلى موقع لم يختره. عليه فان إعادة ترتيب الأوراق تبدأ من إدراك أن الاستقرار وحده لم يعد رسالة كافية. صحيح أن الإقليم نجح نسبيا في تجنب الانزلاق إلى الفوضى الأمنية التي شهدتها مناطق أخرى، بفضل الادارة والسياسة الحكيمة التي يقودها الرئيس مسعود البارزاني ، لكن هذا النجاح، إن لم يترجم إلى موقف سياسي منسجم، قد يتحول إلى حالة هشّة قابلة للاختراق. فالتصعيد العسكري في المنطقة لا يستهدف فقط الخصوم المباشرين، بل يضغط على المناطق الرمادية، ويفرض عليها خيارات قاسية بين الصمت المكلف أو الانخراط غير المحسوب.

في هذا السياق، اعود لاقول كما شددت في اكثر من مناسبة ومقال يجب ان يصبح توحيد الموقف الداخلي مسألة أمن سياسي لا ترفا تنظيميا. فالانقسام، أو تعدد الرسائل، أو غموض القرار، يبعث إشارات ضعف في لحظة تبحث فيها القوى الإقليمية عن نقاط الضغط لا عن شركاء التفاهم. فن جهة اخرى فحين لا يكون للإقليم صوت واحد في القضايا الحساسة، يصبح عرضة لأن يقرأ خطأ، أو أن يزج اسمه في حسابات لا تخدم مصالحه، سواء أراد ذلك أم لا.

كما أن البعد الاقتصادي، في ظل التصعيد، لم يعد ملفا تنمويا بحتا، بل عنصرا مباشرا من عناصر الأمن. فالأزمات العسكرية تغلق الحدود، وتربك الأسواق، وتضغط على الموارد كما هو الان. وإقليم يعتمد على مصادر دخل غير مستقرة، أو على تفاهمات سياسية متقلبة، سيجد نفسه أقل قدرة على المناورة وأكثر عرضة للابتزاز. لذلك، فإن إعادة ترتيب الأوراق اقتصاديا تعني تقليل نقاط الضعف قبل أن تتحول إلى أدوات ضغط في لحظة أزمة. أما على مستوى التعامل مع الإقليم المحيط، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الإقليم هو أن يبدو بلا تعريف واضح لدوره. ففي زمن التصعيد، لا يطلب من الكيانات الصغيرة أن تلعب أدوارا أكبر من حجمها، لكن يطلب منها أن تكون مفهومة. أن يعرف الآخرون ما الذي يمكن توقعه منها، وما الذي ترفضه، وأين تقف خطوطها الحمراء. الغموض هنا لا يفسَّر حيادا، بل ترددا، والتردد في لحظات النار غالبا ما يكلف أكثر من الموقف الواضح. من هذه الزاوية، لا يظهر البعد الدولي أو الدستوري كخطاب نخبوي، بل كأداة حماية سياسية. فالتزام الإقليم بإطار قانوني واضح في علاقاته، وعدم السماح بتحويله إلى ساحة تصفية حسابات، يمنحه حجة أقوى في وجه أي ضغط أو اتهام. لكن هذا الالتزام لا يكون فعالا إلا إذا سنده موقف سياسي داخلي منسجم، وإدارة واعية للأزمات، لا ردود أفعال متأخرة.

وفي الاخير اقول أن إقليم كوردستان يقف اليوم أمام لحظة تتطلب إعادة ترتيب أوراق شاملة: في الداخل لتقوية الجبهة السياسية، وفي الاقتصاد لتقليل الهشاشة، وفي الخطاب والممارسة لتحديد الدور بوضوح في زمن التصعيد. فالمنطقة لا تنتظر أحدا، ولا تراعي خصوصيات من لا يحسن إدارتها. ومن لا يعيد التموضع في لحظة التحول، قد يجد نفسه خارج اللعبة، حتى وإن ظن أنه آمن على الهامش.

قد يعجبك ايضا