د. حازم محمود حميد النعيمي
ولد الإنسان في مكان لم يختره ومن أبوين لم يخترهما وتكلم لغته الام ولم يتعلمها بإرادته ثم بعد سنوات قليلة يخبرونه بدينه ومذهبه وان هذا هو الحق الذي يجب أن تدافع عنه. المشكلة ليست في الإيمان ذاته فالإيمان حاجة إنسانية عميقة وانما في تحويل الانتماء المذهبي إلى ميزان للتفاضل بين البشر وكأن الكون كله خُلق لإثبات صحة جماعة واحدة صغيرة من الناس على الاخرين.
يقول ابن خلدون أن الإنسان ابن بيئته وأن أفكاره وسلوكه يتشكلان وفق ما ينشأ عليه داخل مجتمعه. ففي مقدمته يقرر أن العادات والمعتقدات تنتقل بالتقليد وأن الإنسان يتشرب ما حوله منذ طفولته حتى يظنه أمرا طبيعيا لا يقبل النقاش. ويروي الغزالي في “المنقذ من الضلال” تجربة شك طويلة عاشها ويقول إن الإنسان قد يعتقد أمورا يقينية ثم يكتشف لاحقا أنها مجرد تقليد للمجتمع وهو يؤكد أن كثيرا من الناس يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم لا ما وصلوا إليه بالبحث.
عندما ننظر إلى الأرقام فقط تتغير الصورة تماما فعدد سكان الأرض والتي عمرها نحو 5 مليار سنة يقترب اليوم من 8 مليارات إنسان لكن توزيعهم الديني يكشف حقيقة مهمة وهي ان المسيحيين يقاربون ثلث البشر تقريبا والمسلمون نحو ربعهم ثم تأتي الهندوسية والبوذية ومئات الديانات الأخرى إضافة إلى نسبة كبيرة من اللادينيين. أي أن المسلمين أنفسهم بكل مذاهبهم يشكلون نحو ربع البشرية فقط. ثم داخل الدين الواحد لا يوجد مذهب يشكل أغلبية. وعند حساب مجموع سكان الأرض نجد أن أتباع أي مذهب منفرد يمثلون نسبة صغيرة جدا من البشر وهذا يعني أن المذهب الذي قد يظن أتباعه أحيانا أنه يمثل الحقيقة البشرية كلها لا يتجاوز ولا حتى واحد في المائة من سكان العالم. وكثير من التابعين لهذه الاديان والمذاهب يقدمون ادلتهم بالقناعة بهذا الاعتقاد وبعضهم مستعد للموت من اجل الدفاع عن هذا المعتقد.
الأمر يصبح أكثر وضوحاً عندما ننظر إلى التاريخ كله فتشير التقديرات الديموغرافية إلى أن عدد البشر الذين عاشوا على الأرض منذ ظهور الإنسان يقارب 117 مليار إنسان أي أن أكثر من 90 بالمائة من البشر الذين مروا على هذه الأرض قد ماتوا قبل ان توجد الاديان اصلا لأن هذه الأديان ظهرت متأخرة جدا في التاريخ الإنساني؛ فأقدم الديانات عاشت قبل بضع الاف من السنين بينما عاش الإنسان مئات الالاف ان لم تكن ملايين السنين قبلها بمعتقدات مختلفة أو بلا أديان منظمة. ويعزز علم الآثار هذه الصورة بشكل واضح فالحضارات القديمة الكبرى مثل السومرية في بلاد الرافدين والفرعونية في مصر وكذلك الحضارة البابلية والآشورية والإغريقية القديمة تركت لنا آلاف النصوص والرقم الطينية والنقوش والرسوم التي تخبرنا عن أدق تفاصيل حياتهم اليومية مثل أنواع الطعام والطب والتجارة بل حتى وصفات العطور وأنواع الخمور وأدوات الزينة والتجميل وغيرها ولم تذكر لنا الديانات الابراهيمية التي كانوا يتبعونها وهذا لا يعني نفي الإيمان بالله بل يعني أن تصور الإنسان للدين مر بتطورات تاريخية طويلة وأن المعتقدات الدينية التي نعرفها اليوم جاءت في مرحلة متأخرة من تاريخ الحضارة الإنسانية. ويؤكد هنري فرانكفورت في كتابه “ما قبل الفلسفة” أن السومريين والمصريين لم يعرفوا فكرة الإله الواحد في الديانات الإبراهيمية بل كانت نظرتهم كونية طبيعية حيث كانت الظواهر الطبيعية نفسها تُفهم على أنها قوى إلهية.
أي أن الإنسان القديم لم يكن يتحدث عن إله خارج الكون وانما عن آلهة متعددة مرتبطة بالشمس والبحر والرياح والعواصف. بمعنى آخر فأن معظم البشر الذين عاشوا على الأرض لم يكونوا من أتباع دينك ولا مذهبك. فإذا افترض إنسان أن الحق والايمان محصورة في جماعته وحدها فهذا يعني نظريا أن مليارات البشر عبر التاريخ كله كانوا بلا قيمة وأن حضارات الصين والهند وأمريكا القديمة وإفريقيا وكل العلماء والأطباء والفلاسفة الذين خدموا البشرية كانوا خارج الحقيقة. وهنا يظهر التناقض فالحضارة التي نعيشها اليوم لم يبنها مذهب واحد بل بناها الإنسان عبر تعاون حضارات وأمم مختلفة.
ومن الحقائق الاجتماعية التي تؤكد أثر البيئة أكثر من الاختيار الفردي أن عدد الذين غيروا دينهم أو مذهبهم أو ثقافتهم عبر التاريخ عدد ضئيل جداً مقارنة بالمليارات التي بقيت على ما وُلدت عليه. فالدراسات السكانية تشير إلى أن أغلب البشر يلازمون الدين او المذهب الذي يولدون فيه طوال حياتهم، وأن التحول الديني والمذهبي عالمياً نسبته ضئيلة جدا، وغالباً يحدث بسبب الزواج أو الهجرة أو الاندماج الاجتماعي لا نتيجة بحث فلسفي عميق. وهذا يعني أن الانتماء الديني في جانب كبير منه امتداد للأسرة والبيئة واللغة والعادات؛ فالإنسان غالبا لا يختار دينه بقدر ما يرثه، ولذلك يصبح من الصعب أخلاقياً محاسبة الناس على أمر لم يكن لهم فيه اختيار منذ لحظة ولادتهم.
كما أن جزءاً كبيرا من الموروث الديني الذي يتعامل معه الناس اليوم وصل عبر الروايات التاريخية، والتاريخ بطبيعته ليس نصاً منزلا او مقدسا بل هو عمل بشري كتبه مؤرخون عاشوا في ظروف سياسية واجتماعية مختلفة. وكثير من أحداث التاريخ تعرضت عبر القرون للإضافة والحذف والتأويل وتأثرت بصراعات السلطة والدولة والانتصار والهزيمة. لذلك فإن الخلافات المذهبية الكبرى في أغلبها نشأت حول تفسير أحداث تاريخية أكثر مما نشأت حول أصل الإيمان نفسه. وحين ندرك أن الرواية التاريخية قد تتأثر بالسياسة والظروف يصبح من الحكمة ألا نحولها إلى سبب دائم للخصومة بين الناس أو معيار للحكم على أخلاقهم. يقول الشاطبي أن كثيرا من الاختلافات التي تحولت لاحقاً إلى انقسامات عقدية بدأت أصلا باجتهادات بشرية أو حوادث سياسية ثم أُعطيت لاحقا طابعا دينيا مع الزمن بسبب التعصب.
ومن مقتضيات العدل الفكري أيضاً احترام مئات الآلاف من العلماء والمفكرين الذين عاشوا وماتوا دون انتماء ديني واضح فهؤلاء لم يرفضوا الإيمان عنادا ولا استهزاء بل لأن عقولهم لم تصل إلى القناعة وقد قضوا أعمارهم في البحث والتجربة ومحاولة فهم الكون وقوانينه. ان كثيرا منهم قدّم للبشرية اكتشافات أنقذت ملايين الأرواح ورفعت مستوى الحياة الإنسانية في الطب والفيزياء والكيمياء والفلك ولم يكن دافعهم إلا المعرفة وخدمة الإنسان. ان اختلاف القناعة لا يعني فساد الأخلاق فهؤلاء لم يكونوا أعداء للخير بل أسهموا في بناء الحضارة التي نعيش ثمارها اليوم وان احترام جهدهم هو احترام للعقل وللقيمة الإنسانية المشتركة حتى مع بقاء الاختلاف في الإيمان.
المشكلة إذن ليست في التدين بل في تحويله إلى هوية صدامية حين يصبح الدين او المذهب سببا للتمييز الاجتماعي فيقول هذا منا وهذا ليس منا مما يفقد معناه الأخلاقي. فالأمم لم تنهار بسبب اختلاف مذاهبها بل سقطت عندما انتشر الظلم والفساد واحتقار الإنسان. ان التاريخ يثبت أن العدالة تبني الدول أكثر مما تبنيها الشعارات. عندما يدرك الإنسان أن مذهبه يمثل نسبة صغيرة جدا من البشرية الحاضرة والماضية يصبح أكثر تواضعاً في الحكم على الآخرين. فلو ولد الشخص نفسه في الهند لكان هندوسيا ولو ولد في اليابان لكان بوذيا ولو ولد في أوروبا لكان مسيحياً في الغالب حسب ما اشار فلوتير وان كثيرا مما نعده اختيارا عقائديا هو في الحقيقة جغرافيا وتاريخ وبيئة اجتماعية.
ان الإيمان قيمة عظيمة حين يقود إلى الرحمة والعدل واحترام الإنسان لكنه يفقد جوهره حين يتحول إلى وسيلة احتقار. فأنت لا تمثل البشرية ومذهبك لا يمثل التاريخ ولا أمة واحدة تختصر الإنسان كله. لقد عاش على هذه الأرض مئات الملايين من الناس وكانوا بشرا قبل أن يكونوا أتباع معتقدات. ولهذا ربما تكون الحكمة الأقرب للعقل هي ان الناس لا يُقاسون بما يؤمنون به فقط فالغاية من الدين أن يسمو بالإنسان لا أن يختصر الحقيقة في نفسه ولا أن يحول الاختلاف إلى خصومة دائمة لأن التنوع حقيقة كونية أما الأخلاق فهي الاختبار الحقيقي المشترك بين البشر جميعا.